الكاتب السياسي فرنيوا الجردي
في كل مرة يُطرح فيها ملف العفو العام في لبنان، تعود معه الأسئلة الكبرى التي لم يُحسمها اللبنانيون منذ نهاية الحرب:
هل العفو وسيلة للمصالحة؟ أم بابٌ لتكريس الإفلات من العقاب؟
وهل يمكن للدولة أن تبني العدالة إذا ساوت بين الجريمة السياسية وبين التسويات المرحلية؟
اليوم، يعود الجدل مجدداً مع مطالبة بعض الجهات، وفي مقدّمها الحزب السوري القومي الاجتماعي، بأن يشمل أي عفو عام منفّذ عملية اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل، أي حبيب الشرتوني، بحجة أنّه حوكم سابقاً وصدر بحقه حكم بالإعدام قبل أن يتمكّن من الفرار من السجن خلال مرحلة الوصاية السورية على لبنان، بمساعدة مباشرة من الحزب القومي والنظام السوري السابق.
هذه القضية لا تتعلق بشخصٍ فقط، بل تمسّ مفهوم الدولة اللبنانية نفسه، وحدود العدالة، ومعنى السيادة، وطبيعة الجرائم السياسية التي غيّرت تاريخ لبنان.
أولاً: من الناحية القانونية
قضية اغتيال الرئيس بشير الجميّل ليست ملفاً عادياً يمكن وضعه في سلّة التسويات السياسية العابرة.
فالرجل كان رئيساً منتخباً للجمهورية اللبنانية، واغتياله لم يكن جريمة فردية فحسب، بل عملية سياسية ـ أمنية استهدفت رأس الدولة اللبنانية في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد.
القضاء اللبناني حاكم المتهم غيابياً بعد فراره، وأصدر حكماً بالإعدام بحقه. أي أنّ الدولة اللبنانية قالت كلمتها القضائية بصورة واضحة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يجوز سياسياً وأخلاقياً وقانونياً أن يُكافأ شخص فرّ من العدالة بعفو عام، فيما لم يُنفّذ الحكم الصادر بحقه أصلاً؟
في الأنظمة الديمقراطية، العفو العام يُستخدم عادة بعد نزاعات أهلية كبرى بهدف طيّ صفحة الحرب، لكنه لا يُفترض أن يتحوّل إلى أداة لإلغاء هيبة القضاء أو نسف الأحكام النهائية المتعلقة باغتيال رؤساء وقادة سياسيين.
لأنّ الخطر هنا لا يكمن فقط في العفو عن شخص، بل في تكريس مبدأ خطير مفاده أن الجرائم السياسية الكبرى يمكن أن تُمحى مع مرور الزمن أو بتبدّل موازين القوى.
ثانياً: البعد السياسي للقضية
اللافت أنّ المطالبة بالعفو عن قاتل بشير الجميّل تأتي في وقت يحاول فيه لبنان إعادة تكوين مفهوم الدولة بعد عقود من الحروب والاغتيالات والوصايات الخارجية.
فاغتيال بشير الجميّل، بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين، لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل لحظة تأسيسية أدخلت لبنان في مرحلة طويلة من الانهيار والتفكك والصراعات المفتوحة.
كما أنّ هروب الشرتوني من السجن لم يكن حادثة عادية، بل ارتبط مباشرة بمرحلة النفوذ الأمني السوري على لبنان، حين كانت قرارات الدولة اللبنانية خاضعة إلى حدّ بعيد للوصاية السياسية والأمنية للنظام السوري السابق.
لذلك، فإنّ إعادة طرح هذا الملف اليوم تبدو بالنسبة لكثيرين محاولة لإعادة تبرير مرحلة الوصاية نفسها، أو على الأقل تبييض إحدى أكثر صفحاتها إثارة للانقسام.
ثالثاً: بين المصالحة والعدالة
لا يمكن لأي دولة أن تعيش إلى الأبد أسيرة الماضي، وهذه حقيقة. لكن بالمقابل، لا يمكن بناء مصالحة وطنية حقيقية فوق إنكار الألم أو إلغاء العدالة. فالمصالحة لا تعني محو الجرائم، بل الاعتراف بها أولاً. ولا تعني مساواة الضحية بالجلاد، بل بناء سردية وطنية واضحة تحترم القانون ومؤسسات الدولة.
في تجارب دول عديدة خرجت من الحروب، جرى اعتماد مسارات عدالة انتقالية قائمة على الحقيقة والمحاسبة والاعتراف، لا على طمس الوقائع أو تحويل الاغتيالات السياسية إلى وجهة نظر.
أما في لبنان، فكثيراً ما استُخدم العفو العام كأداة لتدوير الأزمات بدل حلّها، ما ساهم في إنتاج ثقافة الإفلات من العقاب التي لا تزال حتى اليوم تضرب هيبة الدولة والقضاء.
رابعاً: ماذا يعني العفو هنا؟
إذا شمل أي عفو عام قاتل رئيس جمهورية منتخب، فإنّ الرسالة السياسية والقانونية ستكون بالغة الخطورة:
- أنّ اغتيال القادة السياسيين يمكن أن يتحوّل مع الوقت إلى تفصيل قابل للتسوية.
- وأنّ الأحكام القضائية النهائية ليست سوى أوراق قابلة للإلغاء السياسي.
- وأنّ من ينجح في الهرب والاختباء لسنوات قد يربح في النهاية على حساب الدولة نفسها.
وهذا لا يهدد قضية بشير الجميّل وحدها، بل يهدد مفهوم العدالة اللبنانية برمّته.
الخلاصة
لبنان يحتاج إلى مصالحة وطنية فعلية، نعم. لكنه يحتاج أكثر إلى إعادة بناء فكرة الدولة. والدولة لا تقوم إذا تحوّل اغتيال رئيس منتخب إلى ملف قابل للمساومة السياسية. ولا تقوم إذا بات العفو العام وسيلة لتكريس منطق الغلبة بدل منطق العدالة.
قد يختلف اللبنانيون جذرياً حول شخصية بشير الجميّل، وخياراته السياسية، وتحالفاته، وتاريخه. وهذا حق مشروع في أي نظام ديمقراطي.
لكن اغتيال رئيس منتخب يبقى جريمة ضد الدولة نفسها، قبل أن يكون جريمة ضد شخص أو حزب أو فئة.
ومن هنا، فإنّ أي نقاش حول العفو يجب أن ينطلق من سؤال واحد فقط: هل نريد دولة تحكمها العدالة… أم دولة تحكمها التسويات المؤقتة؟.













05/11/2026 - 10:48 AM





Comments