رشيد ج. مينا
حين نتأمل في حالنا كأفراد أو كمجتمعات، غالبًا ما نبحث عن "وسائل دقيقة" أو "عدسات مكبرة" لنفهم الواقع أو نكتشف الحقيقة. لكنّ الحقيقة ليست دائمًا في مكان بعيد يستدعي تلسكوبًا أو ميكروسكوبًا، بل هي كثيرًا ما تكون أمامنا، كامنة في التفاصيل، ماثلة في السلوك، ناطقة في التجربة. غير أنّ المشكلة لا تكمن في بُعد الحقيقة، بل في عجزنا عن رؤيتها، لأننا فقدنا البصيرة أو لأننا أسرى منظومات فكرية أو سلطات معنوية كبّلت عقولنا وأطفأت نور النقد فينا.
إنّ البصيرة الحقيقية لا تقتصر على قراءة الواقع فقط، بل تبدأ من قراءة الذات. من القدرة على كسر القيد الذي يحدّ من حريّة التفكير، من الجرأة على هدم صنمية التنظيم، والمذهب، والزعيم، وحتى الفكرة نفسها إذا تحوّلت إلى عبء يمنع التقدم.
فالذي يعتقد أن عقله صندوقٌ مقفل مفتاحه عند الآخرين، لن يخرج من دائرة التلقين، وسيبقى يدور في فلك الوهم مهما امتلك من معلومات أو شهادات.
كثيرًا ما نُربّى على التسليم لا التفكير، على الطاعة لا النقد، على الصراخ لا السؤال. نصنع من الشعارات دينًا، ومن الزعامات أصنامًا، ومن الماضي سجنًا نحبسه في الحاضر، ثم نشتكي الظلم والتخلف والتبعية. والحقيقة أن الفكر المأسور لا ينهض بأمة، وأنّ التاريخ إذا لم ندرسه بعين النقد سيعيد إنتاج مآسيه.
نحن بحاجة إلى ثورة وعي، تبدأ من تحرير العقل، لا من اعتلاء المنابر.
إلى ثقافة تعترف بالخطأ وتُعلّم الناس التفكير لا التصفيق.
إلى مدارس ومساجد وكنائس وأحزاب تزرع في الناس نور البصيرة، لا قيد الطاعة.
وحين نصل إلى تلك المرحلة، حين يُصبح الوعي منهج حياة، لن نحتاج إلى تلسكوبات ولا مناظير... لأن الحقيقة، مهما حجبتها الأكاذيب، لا تموت، بل تنتظر من يراها ببصيرة حرة وعقل حي.
ففي النهاية... من لا يرى الحقيقة في داخله، لن يبصرها ولو حمل ألف تلسكوب. ومن لا يكسر صنمه، سيظل يطوف حوله، وهو يظن نفسه حرًّا.













05/10/2026 - 17:22 PM





Comments