معتز فخرالدين *

لم يكن لقاءً عابراً.

بعد جلسة حوار امتدت لساعتين ونصف مع مجموعة من طلاب المدرسة الأنطونية في بيروت، حدثني الدكتور مصطفى الحلوة عن انطباعاته عمّا سمعه خلال تلك الحلقة الحوارية. لم يكن الحديث عن نقاش جامعي تقليدي، ولا عن أسئلة مألوفة حول الاختصاصات وفرص العمل، بل عن شيء أعمق بكثير.

قال لي بهدوءٍ لافت:

“ما عبّر عنه الطلاب اليوم ليس قلقاً طلابياً عادياً. شعرت أننا أمام جيل يسأل عن معنى المستقبل نفسه.”

لم تكن الأسئلة التي طُرحت خلال الجلسة محصورة بالوضع الاقتصادي أو فرص الهجرة أو انهيار العملة، رغم حضور هذه العناوين بقوة. كان واضحاً أن اختزال هواجس الطلاب بالأزمة الاقتصادية وحدها يُبسّط الصورة إلى حدٍّ مُخلّ. ما سمعناه كان مزيجاً معقّداً من الخوف والضبابية وفقدان اليقين، يمتد من العمل والعيش إلى العائلة والهوية والانتماء وحتى القدرة على تخيّل الغد.

كان القلق يتسلل إلى أسئلة بسيطة ظاهرياً لكنها ثقيلة في معناها:

هل نبقى أم نغادر؟

هل نخطط أم نؤجّل حياتنا؟

هل يمكن بناء استقرار في بلد يعيش على اللااستقرار؟

ثم قال الدكتور جملة بقيت عالقة في ذهني:

“شعرت أننا لا نستمع فقط إلى مخاوف طلاب… بل إلى ملامح جيل كامل يعيش حالة قلق مفتوح.”

عندها بدأ السؤال الحقيقي يتشكّل:

هل نحن أمام أزمة عابرة؟ أم أمام تحوّل عميق في المزاج النفسي والاجتماعي لجيل لبناني جديد؟

منذ تلك اللحظة بدا واضحاً أن ما نسمعه ليس ظاهرة عابرة ولا مزاجاً شبابياً مؤقتاً، بل تحوّل يطال طريقة شعور جيل كامل بالحياة نفسها. فالقلق الذي عبّر عنه الطلاب لم يكن خوفاً من حدث محدّد، بل خوفاً من مسار كامل لا يبدو قابلاً للتوقّع.

في الماضي، كان اللبناني يخاف من الحرب أو من انفجار أزمة سياسية أو من جولة توتر أمني. كانت المخاطر كبيرة، لكنها كانت أحداثاً يمكن تحديدها زمنياً: تبدأ، تتصاعد، ثم تنتهي، ويعود الناس إلى إعادة بناء حياتهم من جديد.

أما اليوم، فالإحساس مختلف جذرياً: الخوف لم يعد مرتبطاً بحدث، بل باستمرارية الغموض، من دون أفق واضح يمكن أن يُبنى عليه قرار طويل الأمد.

خلال الحوار مع الطلاب، لم يكن السؤال الأكثر تكراراً: كيف ننجح؟ بل: هل يمكن التخطيط أصلاً؟

لم يكن النقاش يدور حول اختيار المهنة الأنسب، بل حول ما إذا كان لأي مسار مهني قدرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار. وحتى القرارات الشخصية البديهية في المجتمعات الأخرى – كالزواج، تكوين عائلة، شراء منزل أو الادخار – تحوّلت إلى قرارات مؤجّلة ومعلّقة على مجهول مفتوح.

بهذا المعنى، لم يعد القلق شعوراً فردياً، بل أصبح جزءاً من البيئة الاجتماعية نفسها، يتشكّل في البيوت والجامعات وأماكن العمل، ويتكرّس في الأحاديث اليومية وخطط الهجرة والقرارات المؤجّلة وتراجع الثقة بكل ما يفترض أن يشكّل إطار الاستقرار العام.

أول ما يلاحظه المرء هو تمدّد حالة التأجيل. لم يعد التأجيل استثناءً بل أصبح القاعدة: تأجيل الزواج، تأجيل الإنجاب، تأجيل شراء منزل، تأجيل الاستقرار المهني، وحتى تأجيل قرار البقاء أو المغادرة. كل قرار كبير بات ينتظر شرطاً واحداً مفقوداً: وضوح المستقبل.

ومع تراكم التأجيل يظهر تحوّل أعمق: الانتقال من التفكير بالمشروع الجماعي إلى التفكير بمشروع النجاة الفردية. لم يعد السؤال: كيف نبني بلداً؟ بل: كيف نبني مساراً شخصياً آمناً داخل أو خارج هذا البلد؟

هنا تبرز الهجرة بوصفها أكثر من خيار اقتصادي؛ تتحوّل إلى أفق نفسي وخطة حياة. كثير من الطلاب لم يعودوا يسألون إن كانوا سيهاجرون، بل متى وكيف وإلى أين. وكأن مسار الحياة يبدأ بالتعليم وينتهي تلقائياً بفكرة المغادرة.

وهكذا تنشأ مفارقة قاسية: بلد يستثمر في تعليم شبابه، لكنه لا يستطيع أن يقدّم لهم سبباً مقنعاً للبقاء.

لكن القلق لا يولد من الفراغ. فالجيل الذي عبّر عن هواجسه نشأ داخل سلسلة أزمات متلاحقة لم تعرف لحظة استقرار حقيقية، ما جعل الأزمات تبدو كأنها البيئة الطبيعية للحياة اليومية.

يبقى السؤال الأهم: هل يمكن كسر دائرة القلق؟

معالجة القلق المجتمعي لا تبدأ بالأرقام الاقتصادية وحدها، بل باستعادة فكرة المستقبل نفسها. فالمجتمعات لا تحتاج إلى حلول كاملة وفورية بقدر ما تحتاج إلى إشارات واضحة بأن المسار قابل للتصحيح وأن الغد ليس مغلقاً.

وهنا يبرز الدور الحاسم للدولة ومؤسساتها. لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش طويلاً وهو يحاول تعويض غياب الدولة. الأجيال القلقة تحتاج إلى مؤسسات تعمل، خدمات تُقدَّم، قوانين تُطبَّق وعدالة تُصان.

استعادة الثقة تمر عبر إعادة بناء الوظائف الأساسية للدولة: إدارة شفافة، قضاء فعّال، سياسات اقتصادية واضحة، واستثمار حقيقي في الشباب والتعليم وفرص العمل. فالشباب لا ينتظرون معجزات، بل يحتاجون إلى إشارات جدّية بأن هناك مساراً يمكن التخطيط على أساسه.

وفي المقابل، للمجتمع والجامعات والقطاع الخاص والإعلام دور أساسي في إعادة إنتاج الأمل الواقعي وخلق مساحات مشاركة وفعل جماعي تعيد للشباب الإحساس بالقدرة على التأثير.

ما كشفته جلسة الحوار لم يكن مجرد قلق طلابي عابر، بل صورة مصغّرة عن تحوّل أوسع يعيشه المجتمع اللبناني. جيل يتقدّم نحو الحياة وهو يحمل أسئلة أكبر من عمره، لكنه لا يزال يسأل ويبحث ويحاول.

فالمجتمعات لا تنهار عندما تمر بأزمات قاسية، بل عندما تفقد قدرتها على تخيّل مستقبل أفضل.

ومستقبل الأوطان يبدأ دائماً من قدرة شبابها على تخيّل الغد بثقة.

 

*كاتب وباحث