الجنوب اللبناني بين نار الانتظار وقلق المفاوضات… ماذا سيحدث قبل وبعد الجلوس إلى الطاولة؟

05/10/2026 - 10:21 AM

Arab American Target

 

تحقيق موسع من اعداد جورج ديب

يشهد الجنوب اللبناني مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل، في ظلّ تصاعد التوتر الميداني وتزايد المخاوف لدى السكان من أن تتحول الأيام الفاصلة إلى مساحة مفتوحة على كل الاحتمالات. فالمشهد الجنوبي يبدو اليوم كأنه يقف على خط رفيع بين الحرب والسلام، حيث تختلط أصوات الانفجارات بانتظار الناس، وتتشابك الحسابات السياسية مع الهموم الإنسانية اليومية التي يعيشها الأهالي منذ أشهر.

وفي القرى الممتدة من بنت جبيل إلى الناقورة، تتكرر مشاهد النزوح الجزئي والبيوت المتصدعة والطرقات الخالية إلا من سيارات الإسعاف والدوريات العسكرية. الأهالي يتحدثون عن ليالٍ طويلة لا يغمض لهم فيها جفن، وعن خوف يتجدد مع كل تحليق للطائرات أو سقوط قذيفة، فيما تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت المفاوضات المقبلة ستفتح بابًا نحو تهدئة طويلة أم ستكون مجرد محطة عابرة في مسار صراع مفتوح منذ عقود.

تشير مصادر ميدانية إلى أنّ ما قبل المفاوضات يشهد تصعيدًا محسوبًا من الجانبين، إذ تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع جديدة على الأرض عبر توسيع نطاق عملياتها واستهداف مواقع داخل العمق الجنوبي، بينما يردّ حزب الله ضمن قواعد اشتباك مدروسة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه تمنع إسرائيل من تغيير المعادلات القائمة. وفي ظل هذا التوتر، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام مهمة دقيقة تتمثل في محاولة تثبيت وقف إطلاق النار والدفع نحو تسوية تضمن بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وسط ضغوط دولية متزايدة لإيجاد مخرج يوقف النزيف الإنساني والاقتصادي.

ومع اقتراب موعد المفاوضات، تتكثف التحليلات حول الملفات التي ستُطرح على الطاولة، والتي تشمل وقفًا شاملًا للنار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، إضافة إلى ترتيبات أمنية وضمانات دولية وإعادة إعمار القرى المتضررة. إلا أن هذه العناوين تخفي خلفها أسئلة أكبر تتعلق بقدرة لبنان على فرض شروطه، واستعداد حزب الله للقبول بتسوية تحدّ من حركته، ومدى التزام إسرائيل بأي اتفاق، فضلًا عن استعداد المجتمع الدولي لتمويل إعادة الإعمار.

وبعد المفاوضات، تبدو السيناريوهات مفتوحة على احتمالات متعددة. فهناك إمكانية للتوصل إلى تسوية هادئة طويلة الأمد تمنح الجنوب فرصة لالتقاط أنفاسه، وهو السيناريو الذي يراهن عليه لبنان الرسمي لكنه يحتاج إلى توافق داخلي وضمانات دولية قوية. وفي المقابل، قد تفضي المفاوضات إلى هدنة هشّة تستمر لفترة طويلة لكنها تبقى معرضة للانهيار عند أول توتر إقليمي، وهو السيناريو الذي يعتبره كثيرون الأكثر واقعية في ظل غياب حل جذري للصراع. أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في فشل المفاوضات وانزلاق المنطقة نحو مواجهة واسعة قد تؤدي إلى دمار كبير ونزوح جماعي وتدخلات إقليمية ودولية، ما يعيد الجنوب إلى دائرة الحرب المفتوحة.

ورغم كل هذه التحليلات، يبقى الهمّ الإنساني هو الأبرز في الجنوب، حيث يعيش الأهالي يوميات قاسية بين الملاجئ والطرقات المدمرة والمستشفيات المكتظة. الأطفال يدرسون على ضوء الهواتف، والنساء يحاولن الحفاظ على حياة عائلية طبيعية وسط الفوضى، فيما يقف الرجال بين متابعة الأخبار ومحاولة حماية منازلهم وممتلكاتهم. وفي حديث مع أحد المزارعين الذي خسر أرضه للمرة الثالثة، قال: “نحن لا نريد أن نكون ساحة حرب لأحد، نريد فقط أن نعيش بسلام”. هذه الجملة تختصر مشاعر آلاف الجنوبيين الذين تعبوا من الحروب ومن انتظار الحلول.

وفي الوقت الذي يستعد فيه لبنان لدخول مرحلة تفاوضية دقيقة، تبدو الدولة اللبنانية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على حماية الجنوب وإعادة إعمار ما تهدم، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتقديم رؤية واضحة لمستقبل المنطقة الحدودية. ومع ذلك، يبقى الجنوب قلب لبنان النابض، أرضًا للصمود وناسًا للحياة مهما اشتدت العواصف. وبين ما قبل المفاوضات وما بعدها، يبقى السؤال الأكبر: هل سيمنح العالم الجنوب فرصة ليعيش بسلام، أم سيبقى قدره أن يكون ساحة لصراعات الآخرين؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف المسار الذي ستسلكه هذه الأرض التي تعلّمت أن تحب الحياة رغم كل شيء.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment