بين أثقال الماضي وضياع الحاضر... إلى أين؟ وكيف يُبنى المستقبل؟

05/10/2026 - 10:00 AM

Prestige Jewelry

 

 

رشيد ج. مينا

إذا كانت الوجهة فعلًا نحو المستقبل، أفلا يفترض أن نُهيّئ الحاضر أولًا؟

أم أننا ما زلنا أسرى استحضار ماضٍ كُتب بمعظمه بأقلام المنتصرين، لا بالضرورة بأقلام الحقيقة؟

فالتاريخ في كثير من الأحيان لا يُدوَّن كما وقع، بل كما أراده أصحاب القوة أو النفوذ أو المصلحة. لذلك تبقى الروايات متناقضة، والحقائق ناقصة، والأدوار خاضعة لمن يملك سلطة السرد والتوثيق.

ومن هنا يبدأ السؤال الأكبر: كيف يواجه الشباب تحديات الحاضر؟ وعلى أي أرضية يمكنهم أن يبنوا مستقبلهم، إذا كان حاضرهم مثقلًا بنتائج ماضٍ أكثر ثقلًا؟

لقد جرى، عبر سنوات طويلة، تعميم الهزائم والإحباطات، وتحويل الإنسان تدريجيًا من قيمةٍ إنسانية إلى رقم، ومن صاحب قضية إلى أداة ضمن منظومة استهلاك وتكنولوجيا واستعباد حديث. ومع التطور التقني المتسارع، لم يعد الخطر فقط في الآلة، بل في تحويل العقل نفسه إلى عقل مروّض، خاضع، مستهلك، ومُعاد تشكيله وفق ما تريده منظومات المال والإعلام والنفوذ.

كثير من الشباب اليوم لم يعد يفكر بالتفوّق، ولا ببناء أسرة، ولا بالمجتمع، ولا حتى بالتغيير أو الثورة كما كانت تفعل أجيال سابقة.

أصبح الحلم عند شريحة واسعة مجرد فرصة هجرة، أو وظيفة تؤمّن الحد الأدنى من العيش واستمرار الحياة.

ومن يبحث يوميًا عن النجاة، كيف يمكنه أن يفكر بوطن؟

وكيف لمن يعيش القلق على لقمة العيش أن يحمل مشروع مجتمع أو مستقبل؟

ما نشهده عبر الإعلام ومنصات التواصل ليس مجرد تطور في أدوات الحياة، بل عملية إعادة تشكيل للوعي والسلوك والأولويات.

تسويق دائم لفكرة الثراء السريع، والرفاهية السهلة، والنجاح بلا تعب، وتحويل الشهرة والمال إلى المعيار الوحيد للقيمة.

حتى بات كثيرون يندفعون خلف أوهام التداول، والمظاهر، والربح السريع، ولو عبر أساليب تناقض القيم والدين والأعراف والقوانين؛ من النصب والاحتيال والتبييض والاتجار بالممنوعات، وصولًا إلى تحويل الإنسان نفسه إلى سلعة تُباع وتُشترى وتُؤجَّر.

لا هوية حقيقية، ولا انتماء راسخ، ولا قضية، ولا مشروع فكري أو وطني جامع.

إنه زمن ترويج الوهم، والانفصال عن الجذور، والانسلاخ عن الماضي بدل التعلّم من دروسه وعِبره.

لكن، رغم كل هذا الانحدار، يبقى الإنسان قادرًا على المواجهة متى تحرّر عقله من الاستلاب، واستعاد وعيه لذاته وقيمه ودوره الحقيقي في الحياة.

فالمعركة اليوم لم تعد فقط معركة اقتصاد أو سياسة أو تكنولوجيا، بل معركة وعي وهوية ومعنى.

والمطلوب ليس رفض التطور أو الهروب من العصر، بل إنتاج فكر إنساني وقيمي قادر على توجيه هذا التطور لخدمة الإنسان لا لتحويله إلى سلعة أو رقم أو أداة داخل منظومة الاستهلاك والهيمنة.

إن بناء المستقبل لا يكون بالاستسلام لليأس، ولا بالهجرة الدائمة من الذات والتاريخ والمجتمع، بل بإعادة بناء الإنسان الحرّ القادر على التفكير والنقد والعمل والإنتاج والانتماء.

شباب يقرأ الماضي ليأخذ منه الدروس لا القيود، ويواجه الحاضر بعقل واعٍ لا بعقل مروّض، ويؤسس لجسور عبور نحو مستقبل نصنعه نحن بإرادتنا ووعينا وقيمنا، لا مستقبل يُفرض علينا تحت عناوين التقدّم والوهم والرفاهية الزائفة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment