الكاتب فهيم الشايع
أخطر ما في الإنسان، ليس أنه يخطئ…، بل أنه يخطئ وهو مقتنع تماماً أنه على صواب، نحن لا نرتكب معظم أخطائنا باعتبارها أخطاء. لا أحد يدخل قراراً يراه خراباً خالصاً، حتى أكثر التصرفات تهوراً، قسوة، أو تناقضاً، تبدو لصاحبها - في لحظتها - مبرّرة بطريقة ما، هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما تسمح له بنيته النفسية والعاطفية أن يراه. ولهذا، فالسؤال الأهم ليس: لماذا نخطئ؟ بل: لماذا لا نرى أنه من الطبيعي أن نخطأ؟
الفكرة التقليدية عن الإنسان تفترض أنه كائن عقلاني، يفكّر أولاً ثم يقرر، لكن ما تكشفه الأعصاب والسلوك البشري أكثر إزعاجاً من ذلك بكثير: العقل غالباً لا يقود القرار، بل يصل متأخراً لتبريره.
في كثير من اللحظات الحاسمة، ما يتحكم بنا ليس المنطق، بل شيء أقدم وأعمق: الخوف، الحاجة، الرغبة في الانتماء، الهروب من الألم، أو الدفاع عن صورة الذات، نحن لا نختار دائماً بناءً على الحقيقة، بل بناءً على ما نستطيع احتماله نفسياً.
لهذا يمكن لإنسان ذكي أن يبقى في علاقة تؤذيه، ولشخص واعٍ أن يكرر السلوك الذي أقسم ألا يعود إليه، ولمجتمع كامل أن يدافع عن أفكار يعرف في داخله هشاشتها، المشكلة ليست نقص المعرفة دائماً، بل أن المعرفة وحدها لا تملك السلطة الكاملة داخل النفس.
في لحظات الضغط العاطفي، يحدث شيء شديد الأهمية: يتراجع التفكير التحليلي لصالح أنظمة أقدم في الدماغ، أنظمة مصممة للبقاء لا للحقيقة، هنا يصبح الإنسان أقل قدرة على التقييم البارد، وأكثر ميلاً للتصرف السريع، الدفاعي، أو الاندفاعي؛ لهذا نحن لا نفقد عقولنا حرفياً عندما نغضب أو نخاف، لكننا نفقد القدرة على استخدامها بكامل كفاءتها.
الغضب، مثلاً، لا يجعل الإنسان أعمى… بل يجعله يرى جزءاً واحداً فقط من الصورة، والخوف لا يمنع التفكير… بل يعيد ترتيب الأولويات بحيث تصبح النجاة أهم من الدقة، وهنا تكمن الصدمة: كثير من أخطائنا لم تكن نتيجة غياب المنطق، بل نتيجة تضييق مجال الرؤية حتى بدا الخطأ وكأنه الخيار الوحيد الممكن.
لكن لماذا نخون قناعاتنا أحياناً؟ لماذا يفعل الإنسان ما يناقض صورته عن نفسه؟
لأن القناعات ليست دائماً بالقوة التي نتخيلها، جزء كبير مما نسميه مبادئ يبقى مستقراً فقط ما دامت الظروف مستقرة، أما تحت الضغط -الوحدة، الخوف، الرغبة، الحاجة، التهديد - فتبدأ النفس بإعادة التفاوض بصمت.
الإنسان لا يغيّر مبادئه فجأة، بل يعيد تفسيرها تدريجياً حتى يصبح قادراً على التعايش مع ما يريد فعله، نحن لا نكذب على الآخرين أولاً، بل على أنفسنا، نعيد صياغة دوافعنا بلغة أخلاقية، نسمي التعلق وفاء، ونسمي الخوف حذراً، ونسمي الهروب سلاماً نفسياً، العقل بارع بشكل مخيف في صناعة التبريرات بعد اتخاذ القرار، حتى نظن أن القرار كان عقلانياً منذ البداية.
الإنسان أيضاً لا يحتمل التناقض الداخلي بسهولة، حين تتصادم أفعالنا مع صورتنا عن أنفسنا، يبدأ العقل بمحاولة ترميم هذا الشرخ، أحياناً لا يغيّر السلوك… بل يغيّر تفسيره للسلوك، لهذا يدافع البعض عن أخطائهم بشراسة لا لأنهم مقتنعون تماماً، بل لأن الاعتراف بالحقيقة يهدد توازنهم النفسي، الاعتراف أحياناً لا يعني فقط كنت مخطئاً، بل يعني انهيار الصورة التي عاش الإنسان طويلاً يحتمي بها، وهنا نفهم لماذا يصبح النقاش مع بعض الناس مستحيلاً: أنت لا تواجه فكرة فقط، بل تواجه هوية كاملة تشعر بالخطر.
لكن الجانب الأكثر قسوة، أن الإنسان قد يظل سنوات يظن أنه يتصرف بحرية كاملة، بينما قراراته مدفوعة بأنماط لم يخترها أصلاً، طريقة الحب، الخوف من الرفض، الحاجة المبالغ فيها للإثبات، الميل للهروب أو التعلق… كثير منها تشكّل مبكراً، ثم بدأ يعمل في الخلفية بصمت، نحن نعتقد أننا نختار، بينما جزء من اختياراتنا ليس إلا إعادة تمثيل قديم لشيء لم يُفهم بعد، لهذا يكرر البعض نفس العلاقات بأشخاص مختلفين، ونفس الأخطاء بوجوه جديدة، وكأن الحياة تغيّرت بينما البنية الداخلية بقيت كما هي.
الفرق هائل بين أن ترى الإنسان ككائن سيئ… وبين أن تراه كائناً معقّداً، تتصارع داخله أنظمة متعددة: العقل، العاطفة، الذاكرة، الخوف، الرغبة، والهوية.
النضج الحقيقي ربما لا يبدأ عندما نتوقف عن الخطأ، فهذا مستحيل تقريباً…بل عندما نصبح أقل ثقة ببراءتنا المطلقة، حين ندرك أن أكثر القرارات خطورة، قد تبدو لنا - في لحظتها - منطقية تماماً، لهذا نحن لا نخطئ صدفة، ولا نتصرف دائماً كما نظن أحياناً،
الذي يقودنا ليس العقل… بل الجزء الذي يخشى الانكسار أكثر مما يبحث عن الحقيقة













05/10/2026 - 09:17 AM





Comments