إيلي حدشيتي والشـ ـ هيد حسن أمهز.. تراتيل الوجع في محراب الوطن الموجوع

05/10/2026 - 09:11 AM

Atlantic home care

 

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

منذُ البارحة، والسهادُ يطوي أجفاني، لم أستطع أن أغفو قبل أن أُفجر الحزن الكامن في أعماقي، أن أُريقه حبراً على ورقٍ يئنُّ من لوعة الفقد. أكتبُ عن أقاربي، أولئك الذين هم بضعةٌ مني، قطعةٌ من لحمي وجزءٌ أصيلٌ من روحي، رغم أنني لم أكحل عيني برؤيتهم، ولم أعرف من زحامهم إلا قلة قليلة.

هم شهداء، سعداءُ في عليائهم، لكن روحي كانت تبكي، تتألم، وتنزف دماءً لا لون لها ولا رائحة، كأنها مياه ينابيع الحياة التي جفت في عروق الأرض. كتبتُ عذراً من طفلٍ لم تدركه صواريخ الموت بعد.. كتبتُ عن كربلاء الجنوب، وعاشوراء لبنان التي لا تنتهي.

"والله، لو عاد الإمام الحسين اليوم إلى هذه الحياة، لما انتظر منا تعزيةً أو نواحاً، بل لقام هو بواجب العزاء فينا. لو عاد، لترك منبر الخطابة، ولجلس فوق ركام البيوت المذبوحة في قرى الجنوب، يمسح بكساء طهره الغبار عن وجوه الأطفال الذين اغتالتهم آلة الحقد، ولأجهش بالبكاء حزناً يفتت الصخر الصمّ، وللطم صدره وجعاً وحرقةً على شيعة لبنان الذين استُبيحت دماؤهم وأحلامهم. الحسين الذي افتدى الإنسان بدمه، يرى اليوم أن كربلاء ليست صفحةً في التاريخ، بل هي واقعٌ يضجُّ هنا.. في كل صرخة طفلٍ تحت الأنقاض، وفي كل دمعة أبٍ فقدَ سنده. الحسين اليوم هو أول الناحبين على وطنٍ صار كفناً كبيراً."

يا أتباع يسوع المصلوب، ويا أتباع الحسين المذبوح.. لا تيمموا وجوهكم شطر "أورشليم" للحج وزيارة كنيسة القيامة، فها هنا، على مسافة أنفاسٍ منكم، ستجدون عشرات الألوف من اللبنانيين مصلوبين على خشبة الطائفية، يُقتلون بدمٍ باردٍ بآلة الموت الإسرائيلية. انظروا جيداً، ستجدون أكاليل الشوك فوق رؤوس شبابٍ كأنهم فلقُ الصبح، وستسمعون أزيز أسواط الجلادين من إعلاميين وسياسيين، وهي تجلدُ أبناء الوطن الواحد لمجرد أنهم وجدوا السكينة والانتماء في حضن بعضهم البعض.

يا أتباع الحسين، كربلاء هي لبنان، وعاشوراء هي كل أيامنا المثقلة بالدموع. لا حاجة لزيارة المقامات البعيدة، فهنا في كل زاويةٍ ألف مقام، وهنا ألف عباسٍ وعباس، بلا أكفٍّ، وبأعينٍ مطفأة، لا يحوم حولها سوى الأرواح الهائمة.

هنا، ستجدون أن الدماء التي قذف بها الحسينُ من كفِّ طفله الرضيع نحو السماء، ما زالت معلقةً في الأفق، لم تهبط الأرض بعد، تماماً كدماء اللبنانيين التي ترفعها الانفجاراتُ مع أجسادهم إلى عنان السماء.

نحن وجعُ السنين، نحن ألمُ البشرية جمعاء، نحن حزنُ الآلهة القديمة والجديدة وكل من سكن السماوات. نحن نهر الأردن الذي تعمد فيه يوحنا، ونحن الحسين الذبيح، بل نحن كل الحكايا الموجعة في الأديان والأساطير.

حين أسمعُ لغط القائلين بأن "آل أمهز" ليسوا مسيحيين، وحين يتردد صدى ارتقاء شهيدٍ منهم في المقـ اwمة الإسلامية، ورغم عقلي البرغماتي وفلسفتي في الحياة، يتسلل إلى داخلي شيءٌ مقدّس، كنسمةٍ من الرب القدير تخبرني بأننا "ملح هذه الأرض"، طهرها، تعايشها، ومحبتها التي لا تنضب.

بكيتُ طويلاً، حتى شعرتُ أن روحي تدخل حالة "النيرفانا"، لكن إرادة الله في البقاء أيقظتني من ذهولي. ثم بكيتُ أكثر حين قرأتُ كلمات "إيلي الحدشيتي" وهو يودع صديقه الشـ ـ هيد "حسن أمهز"، متجاوزاً بوجعه فوارق السن والزمن التي تظهر في الصورة، حيث كتب بمرارة:

"بكرت يا حسن.. ضيعان شبابك وطيبتك.. والله يا غالي ما بعرف شو بدي قللك، والله رح نشتقللك.. ضيعان الأوادم.. الله يصبر أهلك".

نعم، آل أمهز هم "الأوادم" الطيبون، أصحاب العشرة التي تُشترى بالأرواح، الممتدون من بقاع الصمود حتى جبل لبنان العالي. هم فقراء هذا الوطن، البسطاء، الفلاحون المجبولون بمحبة الأرض والناس. قد يقول بعض الأغنياء إن الفقر عيب، لكن في زمن الفساد وتجارة الأوطان، يصبح الفقر وساماً سماوياً، وأخلاقاً تترفع عن دنس المكاسب الزائلة.

الفقر هو الفيصل الذي يفرّق بين من باع ومن اشترى؛ نحن فقراء لبنان الأغنياء بتعايشنا، الزاهدون بما في أيدي الآخرين، ويكفينا فخراً أن الوطن بأسره يبكي لألمنا.

لترقد روحك بسلام يا حسن.. أيها الشاهد والشـ ـ هيد على أن الأوطان أكبر من الطوائف، وأن الدين الذي لا يعانق الجميع ليس بدين. أنت اليوم شهيد كل الوطن، شهيد كل إنسان حرٍ شريف يؤمن بيوم الدينونة، ذاك اليوم الذي سيكفر فيه المزورون بحقائقهم، وتنكشف فيه وجوههم أمام الحقيقة الأبدية.

نحن جميعاً لبنانيون.. والحياة والموتُ واحد، والوجعُ واحد، ولا أحد، قادرٌ على أن يفرقنا.

"سنرفع صلواتنا من خلف مذابح الكنائس، وستصدح في مساجدنا وحسينياتنا تراتيل 'جمعة الآلام' لتختلط الصلوات بالبخور؛ سنملأ الدنيا عطرًا وأقحوانًا، ونبعث من بين الركام وطناً عصيّاً على الموت.. فنحن أنتم، وأنتم نحن، وجميعنا في محراب لبنان واحد".

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment