العمل بين حق الإنسان ومنطق السوق... هل العمر وحده معيار العمل؟

05/09/2026 - 19:04 PM

Prestige Jewelry

 

 

 رشيد ج. مينا

العمل ليس مجرد وظيفة أو وسيلة لتحصيل الدخل، بل هو حق وواجب وضرورة إنسانية وحياتية، بل وجودية أيضًا، لأنه يرتبط بكرامة الإنسان وشعوره بقيمته ودوره في الحياة والمجتمع. ومن هنا تبرز واحدة من القضايا المهمة والحساسة، لا سيما في دول الخليج العربي التي تُعدّ السوق الأوسع لاستقدام العمالة العربية والأجنبية.

والمقصود هنا ليس التدخل في شؤون تلك الدول أو سياساتها ورؤيتها الاقتصادية والتنظيمية، فلكل دولة الحق في حماية مصالحها وتنظيم سوق العمل بما يتناسب مع أولوياتها الوطنية، وإنما مقاربة الموضوع من زاوية إنسانية واقتصادية واقعية، تطرح تساؤلات مشروعة حول بعض القوانين المتعلقة بمنع استقدام العامل الوافد أو الحد من تجديد إقامته بعد سن التاسعة والخمسين أو الستين.

هذه القوانين تستند عادة إلى مجموعة من المبررات، أبرزها دعم سياسات توطين الوظائف، وإفساح المجال أمام الشباب الباحثين عن العمل، إضافة إلى رفع كفاءة الإنتاجية، وضبط التركيبة السكانية، وتقليل الأعباء الصحية والطبية المرتبطة بالعمالة المتقدمة في العمر. كما أن بعض الأنظمة تستثني أصحاب الاختصاصات الدقيقة والخبرات النوعية، مثل الأطباء والأساتذة الجامعيين والمهندسين والخبراء والفنيين، إدراكًا لحاجة السوق إلى خبراتهم وقدرتهم على العطاء حتى بعد تجاوز سن الستين.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يكفي معيار العمر وحده للحكم على قدرة الإنسان على العمل والإنتاج؟

إذا تناولنا المسألة بالعقل والمنطق الإنساني والاقتصادي، نجد أن المشكلة لا تُحل فقط عبر القوانين أو الأرقام الجامدة، بل تبدأ أساسًا من بناء الإنسان وتأهيله وتهيئته لبيئة العمل المنتجة، ومن حسن استثمار الطاقات والخبرات المتراكمة، لا من التعامل مع الإنسان وكأنه يصبح خارج دائرة الفاعلية بمجرد تجاوزه سنًا معينة.

فلو أجرينا مراجعة بسيطة لتجارب العلماء والمفكرين والخبراء وأصحاب الأعمال وحتى العاملين في قطاعات متعددة، لوجدنا أن كثيرين منهم قدّموا أفضل إنتاجهم وإنجازاتهم بعد سن الستين، وبعضهم ظل يعمل ويبدع ويؤثر حتى سنوات متقدمة جدًا من العمر. وهذا لا يقتصر على القطاعات الفكرية أو العلمية فقط، بل ينسحب أيضًا على القيادات السياسية والاقتصادية والإدارية في العالم، حيث ما زال كثير من المسؤولين والقادة وأصحاب القرار يديرون دولًا ومؤسسات كبرى وهم في أعمار متقدمة.

وهنا يصبح من المشروع إعادة النظر في فكرة ربط القدرة على العطاء بعامل السن وحده، خصوصًا أن طبيعة الأعمال تغيّرت، وكثير من الوظائف الحديثة بات يعتمد على الخبرة والمعرفة والمهارة أكثر مما يعتمد على الجهد البدني فقط.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حق الدول في تنظيم سوق العمل، أو معالجة البطالة بين مواطنيها، أو حماية مصالحها الاقتصادية والاجتماعية. لكن العدالة تقتضي أن يكون التنظيم قائمًا على معايير الكفاءة والقدرة والحاجة الفعلية، لا على الإقصاء الآلي المرتبط بالعمر فقط.

كما أن واقع كثير من العمال العرب والأجانب يفرض بعدًا إنسانيًا لا يمكن تجاهله، فالكثير منهم يصل إلى هذه الأعمار وهو ما يزال مسؤولًا عن إعالة أسر كاملة، في ظل غياب أنظمة تقاعد وضمان اجتماعي حقيقية في بلدانهم الأصلية. وهنا لا يعود العمل مجرد خيار، بل يتحول إلى ضرورة معيشية وإنسانية مرتبطة بالكرامة والاستقرار والحياة نفسها.

إن التوازن الحقيقي لا يكون بفتح الباب بلا ضوابط، كما لا يكون بإقصاء الإنسان بسبب رقم في بطاقة هويته، بل ببناء سياسات عمل أكثر واقعية وإنصافًا، تراعي حاجات الدول ومصالحها الوطنية، وتحفظ في الوقت نفسه حق الإنسان القادر على العمل والإنتاج والعطاء، بغض النظر عن عمره.

فالإنسان لا يُقاس فقط بعدد سنواته، بل بما يملكه من قدرة وخبرة وإرادة وعطاء. والمجتمعات التي تعرف كيف تستثمر الإنسان في كل مراحل عمره، هي المجتمعات الأقدر على تحقيق التنمية والاستقرار وبناء اقتصاد أكثر إنسانية وعدالة واستدامة.

 

* كاتب ومحلل سياسي من لبنان

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment