لبنان في قلب العاصفة مجدداً ومفاوضات تنطلق وسط تهديدات وضغوط وهواجس وجودية

05/09/2026 - 18:39 PM

Metrolink.com

 

 

ليلى أبو حيدر

انطلق رئيس الوفد اللبناني إلى المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، السفير السابق سيمون كرم، إلى العاصمة الأميركية واشنطن تمهيداً لانعقاد جولة جديدة من المحادثات المقررة يومي الخميس والجمعة المقبلين، في خطوة تعيد تحريك ملف التفاوض الحدودي والسياسي بين الجانبين في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون كان قد استقبل رئيس الوفد اللبناني إلى المفاوضات المباشرة اللبنانية – الإسرائيلية، السفير السابق سيمون كرم، حيث عرض معه التحضيرات الجارية للاجتماع المقرر يوم الخميس المقبل في واشنطن بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية. وزوّد الرئيس عون السفير كرم بتوجيهاته المتضمنة الثوابت اللبنانية في ما يتعلق بالمفاوضات، وذلك عشية سفره إلى العاصمة الأميركية.

وجاءت مغادرة كرم من دون المرور بالرئاسة الثانية، في ظل تموضع رئيس مجلس النواب نبيه بري خارج مسار التفاوض المباشر الذي يعارضه، وإن من دون أن يبلغ اعتراضه حدّ العرقلة، ما يعكس توازنات داخلية دقيقة تحكم هذا الملف منذ سنوات. وتؤكد مصادر سياسية أن استثناء بري من جولة كرم البروتوكولية لا ينفصل عن موقفه الثابت الرافض لأي شكل من أشكال التفاوض المباشر، رغم أنه كان طوال العقد الماضي ممسكاً بملف ترسيم الحدود البحرية عبر قنوات غير مباشرة وبرعاية الأمم المتحدة. إلا أن المرحلة الحالية، بما تحمله من ضغوط دولية وتطورات ميدانية، دفعت الملف إلى مسار جديد تتولاه الحكومة اللبنانية عبر وفد رسمي يرأسه كرم، المعروف بخبرته الدبلوماسية وصلابته في الملفات السيادية.

وفي هذا السياق، برز الدور المحوري لسفيرة لبنان في واشنطن ندى حماده معوض التي تشارك في جلسات الحوار إلى جانب الوفد اللبناني، حيث تتولى التنسيق المباشر مع وزارة الخارجية الأميركية وفريق الوساطة، وتعمل على نقل الموقف اللبناني الرسمي بدقة، إضافة إلى توفير الغطاء الدبلوماسي اللازم لمسار التفاوض.

وتؤكد مصادر مطلعة أن معوض لعبت خلال الأيام الماضية دوراً أساسياً في ترتيب اللقاءات التحضيرية، وفي توضيح الهواجس اللبنانية أمام الجانب الأميركي، كما ساهمت في تهيئة الأجواء اللوجستية والسياسية لانطلاق المحادثات، مستفيدة من علاقاتها داخل الإدارة الأميركية ومن حضورها الفاعل في الأوساط الدبلوماسية في واشنطن.

وفي موازاة التحضيرات اللبنانية، ينتظر أن تتضح خلال محادثات الخميس في واشنطن حقيقة ما إذا كان اللقاء الذي طرحته الإدارة الأميركية بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال مطروحاً على الطاولة، أم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب صرف النظر عنه مرحلياً في محاولة لعدم إحراج الدولة اللبنانية التي ترفض رسمياً أي لقاء مباشر من هذا النوع.

وتشير مصادر دبلوماسية في واشنطن إلى أن الفكرة لم تُسحب بالكامل، لكنها باتت مرتبطة بحسابات سياسية دقيقة تتعلق بمدى استعداد الأطراف اللبنانية لتحمّل تبعات خطوة كهذه، وبما إذا كانت الظروف الإقليمية تسمح بإخراجها إلى العلن من دون أن تنفجر الساحة الداخلية.

وزارة الخارجية الأميركية أعلنت في بيان صادر عن المتحدث باسمها أن الولايات المتحدة “ستسهل جولتين مكثفتين من المحادثات للدفع نحو اتفاق شامل للسلام والأمن يعالج بشكل جوهري الهواجس الأساسية لكلا البلدين، وإلى القطع الحاسم مع النهج الفاشل الذي ساد خلال العقدين الماضيين، والذي أتاح للجماعات الإرهابية ترسيخ نفوذها وتعزيز مواردها، وتقويض سلطة الدولة اللبنانية، وتعريض الحدود الشمالية لإسرائيل للخطر”.

هذا البيان، الذي حمل لهجة غير مسبوقة في مقاربة الملف اللبناني – الإسرائيلي، يعكس رغبة أميركية واضحة في إعادة صياغة قواعد الاشتباك على الحدود الجنوبية، وتعزيز دور الدولة اللبنانية، وإضعاف نفوذ القوى غير الرسمية، بما يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة قد تمتد لسنوات.

وتشير المعلومات إلى أن الوفد الإسرائيلي الذي وصل بعض أعضائه إلى واشنطن يضم مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، بينهم رئيس اللواء الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي عميحاي ليفين، ما يعكس رغبة تل أبيب في إعطاء الطابع الأمني الأولوية في هذه الجولة، وفي التفاوض من موقع قوة مستندة إلى التطورات الميدانية الأخيرة. في المقابل، يدخل الوفد اللبناني إلى المحادثات محمّلاً بتحديات داخلية كبيرة، أبرزها غياب وحدة الموقف السياسي، وتباين مقاربات القوى اللبنانية تجاه شكل التفاوض وحدوده، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية التي تجعل لبنان في موقع تفاوضي هشّ مقارنة بالسنوات السابقة.

ورغم ذلك، ترى مصادر لبنانية أن اختيار سيمون كرم لرئاسة الوفد يعكس محاولة لإعادة الاعتبار إلى الدبلوماسية اللبنانية الرسمية، وإظهار قدرة الدولة على الإمساك بالملف بعيداً عن التجاذبات الداخلية. وتضيف أن كرم، الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الدوائر الأميركية، قد يشكل نقطة توازن بين متطلبات واشنطن ومخاوف بيروت، خصوصاً أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تحقيق اختراق سياسي في هذا الملف يمكن تسويقه كإنجاز دبلوماسي في مرحلة تتسم بتوترات إقليمية واسعة.

وفي خلفية المشهد، يبرز موقف حزب الله الذي يرفض علناً أي مفاوضات مباشرة، لكنه في الوقت نفسه لا يعارض مبدأ التفاوض غير المباشر إذا كان يخدم تثبيت قواعد الاشتباك ويحمي لبنان من الانزلاق إلى مواجهة واسعة. وتشير مصادر متابعة إلى أن الحزب، رغم تحفظاته، لن يعرقل المفاوضات، لكنه سيبقى مراقباً دقيقاً لمسارها، وسيعمل على منع أي تنازل قد يُفسَّر كاعتراف سياسي بإسرائيل أو مساساً بسلاح المقاومة. وتضيف أن الحزب يدرك أن ميزان القوى الإقليمي تغيّر، وأن إيران نفسها تخوض مفاوضات معقدة مع واشنطن، ما يجعل هامش المناورة أضيق من السابق.

وفي ظل هذه التعقيدات، تبدو واشنطن مصممة على دفع المفاوضات نحو نتائج ملموسة، معتبرة أن نجاحها سيؤدي إلى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وإضعاف نفوذ الجماعات المسلحة، وفتح الباب أمام مساعدات اقتصادية مشروطة، إضافة إلى طمأنة إسرائيل إلى أمن حدودها الشمالية. لكن مصادر لبنانية تحذر من أن أي ضغط أميركي مفرط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً إذا شعر الداخل اللبناني بأن المفاوضات تُستخدم لفرض وقائع سياسية جديدة لا تراعي التوازنات المحلية.

ومع اقتراب موعد الجولة، يعيش اللبنانيون حالة من الترقب الممزوجة بالقلق. فبينما يرى البعض أن المفاوضات قد تشكل فرصة لإعادة تثبيت الحدود وتعزيز دور الجيش اللبناني، يخشى آخرون من أن تؤدي إلى تنازلات تمسّ السيادة أو تُستغل في سياق صراعات إقليمية أكبر من قدرة لبنان على تحملها. وفي الشارع، تتردد أسئلة كثيرة حول قدرة الدولة على التفاوض من موقع قوة، وحول مدى التزام إسرائيل بأي اتفاق، وحول ما إذا كانت القوى الإقليمية ستسمح للبنان بالخروج من دائرة الصراع.

ومهما كانت نتائج جولة واشنطن، فإن المؤكد أن لبنان يدخل مرحلة مفصلية ستحدد شكل العلاقة مع إسرائيل، ودور الجيش، ومستقبل الحدود الجنوبية لعقود مقبلة. وفيما يحمل السفير سيمون كرم ملفات التفاوض إلى العاصمة الأميركية، يحمل معه أيضاً ثقل بلد يبحث عن مخرج من أزماته، وشعب يتطلع إلى دولة قوية قادرة على حماية سيادتها وحدودها وقرارها الوطني.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment