بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف
يشهد تاريخ الأمم لحظات مفصلية، تفرض على الشعوب إعادة التفكير في أسس نظامها السياسي وموقعها في العالم. هذه اللحظات لا تأتي دائماً نتيجة حربٍ كبرى أو تسويةٍ دولية مباشرة، بل قد تنشأ أيضاً من تراكم الأزمات وفقدان التوازن الداخلي وتزايد التدخلات الخارجية.
اليوم يقف لبنان أمام لحظة من هذا النوع، حيث بات السؤال عن مستقبل الدولة والنظام ليس مجرد نقاش سياسي عابر، بل قضية وجودية تتصل بقدرة الوطن على الاستمرار والاستقرار.
منذ عقود يعيش لبنان في قلب شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية. فقد تحول تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة، بعضها إقليمي وبعضها دولي، ما انعكس على الحياة السياسية الداخلية وعلى استقرار المؤسسات الدستورية. هذا الواقع لا يعني بالضرورة وجود احتلال تقليدي واضح المعالم، لكنه يعكس بوضوح حالة من التأثيرات المتشابكة التي تجعل القرار الوطني عرضة لتجاذبات تتجاوز حدود الدولة.
إن هذه الحالة ليست فريدة في التاريخ المعاصر. فقد عاشت النمسا بعد الحرب العالمية الثانية وضعاً شبيهاً من حيث خضوعها لنفوذ القوى الكبرى. آنذاك كانت البلاد واقعة تحت إدارة أربع قوى دولية رئيسية: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي والمملكة المتحدة وفرنسا. وكانت النمسا، مثل كثير من الدول الأوروبية آنذاك، ساحة محتملة لصراع المعسكرين الشرقي والغربي.
غير أن التحول التاريخي حصل سنة 1955 مع توقيع معاهدة الدولة النمساوية، التي أعادت السيادة الكاملة للنمسا وأنهت الوجود العسكري للقوى الأجنبية. وقد اقترنت هذه الخطوة بإعلان دستوري شهير هو إعلان الحياد النمساوي الدائم، حيث التزمت النمسا الحياد الدائم وعدم الانضمام إلى أي تحالف عسكري أو السماح بإقامة قواعد أجنبية على أراضيها.
لقد شكّل هذا الخيار لحظة تأسيسية جديدة في التاريخ النمساوي. فبدلاً من أن تبقى البلاد ساحة مواجهة بين القوى الكبرى، تحولت تدريجياً إلى مساحة لقاء وحوار. ومع مرور الوقت أصبحت فيينا مركزاً دبلوماسياً دولياً تستضيف منظمات ومؤتمرات عالمية، وأضحت النمسا مثالاً على قدرة الدول الصغيرة على حماية سيادتها عبر سياسة الحياد المتوازن.
ولا بد في هذا السياق من التذكير بأن الحياد ليس مجرد خيار سياسي ظرفي، بل هو مفهوم راسخ في القانون الدولي. فالحياد يعني التزام الدولة الامتناع عن الانخراط في النزاعات المسلحة بين الدول، وعدم الانضمام إلى الأحلاف العسكرية، مقابل احترام سيادتها وسلامة أراضيها من قبل المجتمع الدولي. وقد تطور هذا المفهوم عبر التاريخ ليصبح أداة قانونية وسياسية في آن واحد، تسمح للدول الصغيرة أو المتوسطة بالحفاظ على استقلال قرارها وتجنّب التحول إلى ساحات صراع بين القوى الكبرى. وفي هذا المعنى لا يشكّل الحياد انسحاباً من المجتمع الدولي، بل بالعكس قد يتيح للدولة أن تضطلع بدور إيجابي في الوساطة والحوار واستضافة المبادرات الدبلوماسية، كما أظهرت التجربة النمساوية بوضوح منذ منتصف القرن العشرين.
إن المقارنة بين التجربتين لا تهدف إلى إسقاط نموذج تاريخي بشكل حرفي على واقع مختلف، فلكل بلد خصوصياته الجغرافية والسياسية. غير أن المقاربة تفتح باب التفكير في سؤال جوهري: هل يمكن للبنان أن يجد في خيار الحياد إطاراً جديداً لإعادة تنظيم علاقاته الداخلية والخارجية؟
لقد أنهى اتفاق الطائف الحرب اللبنانية وأعاد بناء المؤسسات الدستورية، لكنه لم يعالج بالكامل مسألة موقع لبنان في صراعات المنطقة. فظل البلد عرضة لتأثيرات متضاربة انعكست في أزمات سياسية متكررة وفي ضعف قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة.
من هنا تبرز الحاجة إلى نقاش وطني هادئ ومسؤول حول إمكانية الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الحياد. والحياد هنا لا يعني الانعزال أو التخلي عن الانتماء العربي أو الدولي، بل يعني قبل كل شيء تحييد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية، بحيث يصبح فضاءً للتلاقي بدلاً من أن يكون ساحة مواجهة.
إن مسؤولية إطلاق هذا النقاش تقع أولاً على عاتق المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها مجلس النواب اللبناني، باعتباره السلطة التي تمثل الإرادة الشعبية وصاحبة الصلاحية في تطوير النظام الدستوري. فالبرلمان ليس مجرد هيئة تشريعية لإقرار القوانين اليومية، بل هو أيضاً المكان الطبيعي للتفكير في مستقبل الدولة وصياغة رؤيتها السياسية الكبرى.
إن اللحظة الراهنة قد تدعو إلى ما يمكن تسميته «وقفة تأسيسية»، لا تهدف إلى هدم النظام أو تقويض المؤسسات، بل إلى إعادة تثبيت الأسس التي يقوم عليها الكيان اللبناني. وقد يكون من بين الخيارات المطروحة تثبيت مبدأ الحياد في إطار دستوري واضح، يحدد موقع لبنان في المجتمع الدولي ويضمن عدم استخدام أراضيه كساحة لصراعات الآخرين.
في هذا السياق يمكن للبنان أن يستعيد دوره التاريخي كمركز ثقافي وروحي في الشرق الأوسط. فلطالما شكّل هذا البلد مساحة فريدة للقاء الحضارات والأديان، ومختبراً للتعددية الإنسانية في منطقة غالباً ما طغت عليها الانقسامات. وقد عبّر عن هذه الرسالة بوضوح البابا يوحنا بولس الثاني عندما قال إن لبنان «أكثر من وطن، إنه رسالة».
إن الحفاظ على هذه الرسالة يتطلب حماية التعددية التي تميّز المجتمع اللبناني، بما في ذلك الدور التاريخي للمسيحيين في الحياة الثقافية والسياسية. فوجودهم ليس مجرد عنصر ديموغرافي، بل جزء من التوازن الحضاري الذي أعطى لبنان طابعه الخاص في الشرق الأوسط.
إن تحويل لبنان إلى دولة حيادية مستقرة قد يسمح له باستعادة دوره كجسر بين الشرق والغرب، وكمنصة للحوار بين الأديان والثقافات، ومركز دولي للفكر والدبلوماسية. وهو دور لا يبتعد كثيراً عن الرسالة التاريخية التي اضطلع بها هذا البلد منذ نشأته.
يبقى أن مثل هذا التحول لا يمكن أن يتحقق بقرار تقني أو إجراء إداري. إنه يتطلب إرادة سياسية وطنية شجاعة، ونقاشاً صريحاً بين مختلف المكونات اللبنانية حول مستقبل الدولة وموقعها في العالم. وربما تكون التجربة النمساوية تذكيراً بأن الدول الصغيرة قادرة، عندما تتوافر الرؤية والإرادة، على تحويل موقعها الجغرافي من مصدر صراع إلى فرصة سلام.
إن السؤال المطروح اليوم ليس فقط كيف نخرج من الأزمة الراهنة، بل كيف نبني إطاراً دائماً للاستقرار. وقد يكون الوقت قد حان لكي يطرح اللبنانيون على أنفسهم سؤالاً بسيطاً وعميقاً في آن واحد:
هل يستطيع لبنان أن يتحول من ساحة صراع إلى مساحة لقاء؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تشكّل الخطوة الأولى نحو عقد وطني جديد يليق بتاريخ هذا الوطن ورسالة شعبه.













05/09/2026 - 11:48 AM





Comments