بين تثبيت النفوذ الخارجي ومنع الانهيار الداخل، المفاوضات بعين إيرانية

05/08/2026 - 23:18 PM

Prestige Jewelry

 

 

إيلي إ. حرب

تزداد المفاوضات الأميركية الإيرانية تعقيدا مع الوقت وتخترقها أحداث ميدانية يومية تزيد بدورها من شيطنة التفاصيل في المحادثات الجارية. وبات واضحا أن طهران تسعى لتضييع الأسباب الرئيسية للحرب وحرق ورقة المطالب الاميركية، عبر طرح مشاكل جديدة مستجدة في الواجهة للتفاوض وأهمها على الإطلاق موضوع مضيق هرمز.

تقارير صادرة من "معهد دراسة الحرب" و"مشروع التهديدات الحرجة" تكشف أن إيران لا تتعامل مع الحرب الحالية باعتبارها مجرد معركة دفاعية هدفها البقاء، بل تسعى إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية والدولية عبر استراتيجية مزدوجة تقوم على تعزيز النفوذ الخارجي ومنع الانهيار الداخلي.

 

أمل المفاوضات

هدف إيران لم يعد منع الهزيمة أو الحفاظ على النظام، بل بات يرتبط بمحاولة انتزاع اعتراف دولي وتحديدا أميركي بسيادتها على مضيق هرمز بما يمنحها قدرة غير مسبوقة على التحكم بحركة التجارة والطاقة العالمية، وهي تسعى وتأمل في توفير مكاسب استراتيجية عدة منها: تعطيل الأسواق العالمية، إغلاق المضيق عند الحاجة، فرض ضغوط على دول الخليج المتعاونة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، فرض رسوم وضرائب على السفن العابرة وتحويل أي اعتراض أميركي أو خليجي على إجراءاتها إلى "اعتداء" على سيادة معترف بها دوليًا.

استراتيجيا ترى طهران أن السيطرة على المضيق تشكل أيضاً "ضمانة ردع" ضد أي حرب مستقبلية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، لأن تهديد الملاحة والطاقة العالمية يمنحها أوراق ضغط استراتيجية طويلة الأمد.

التقارير تشير أيضا إلى أن إيران تسعى للحصول على مكاسب اقتصادية مباشرة من المفاوضات، وفي مقدمها تخفيف العقوبات والإفراج عن نحو 100 مليار دولار من أموالها المجمدة لإعادة بناء برنامجيها الصاروخي والعسكري، وهو ما يقلق اسرائيل التي تطالب بفرض قيود صارمة على البرنامج الصاروخي ضمن أي اتفاق مستقبلي.

 

مخاوف الداخل

في الداخل تدرك القيادة الإيرانية أن الضغوط الاقتصادية قد تتحول إلى تهديد وجودي، وهي تعمل على احتواء أي موجة احتجاجات محتملة. آخر المواقف في هذا السياق صدر عن الرئيس الايراني مسعود بزكشيان الذي شدد بعد لقائه الأول المطول مع المرشد على ضرورة الحفاظ على الوحدة الداخلية. أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فتحدث عن "حرب اقتصادية وإعلامية" تستهدف "إجبار إيران على الاستسلام"، ودعا إلى اعتماد "إدارة جهادية" وتعبئة داخلية شاملة للتعامل مع المرحلة. والملاحظ أن بزشكيان وقاليباف طالبا قوات الباسيج النزول بقوة إلى الأحياء والمساجد والمجتمعات المحلية للمساعدة في إدارة الأزمات الاجتماعية والخدماتية. ومعروف عن هذه القوات أنها تستخدم في ضبط الشارع وقمع الاحتجاجات عند الحاجة. المواقف هذه تعكس قناعة داخل النظام بأن التدهور الاقتصادي قد يتحول إلى أزمة استقرار سياسي حقيقية، من دون أن يعني ذلك أن إيران مستعدة للاستسلام أو تقديم تنازلات جوهرية في المفاوضات مع الإدارة الأميركية.

المخاوف أيضاً تنسحب على مستوى القيادة واتخاذ القرار داخل النظام. وتشير التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات إلى أن عملية اتخاذ القرار داخل إيران لا تزال معقدة ومجزأة، وترجح أن قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي بات الشخصية الأكثر تأثيراً في إدارة الحرب والمفاوضات، مستفيداً من قربه من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. وتلفت التقارير إلى وجود تباينات داخلية بين المسؤولين بشأن كيفية إدارة التفاوض مع الولايات المتحدة، ما يفسر تضارب التصريحات الإيرانية والأميركية حول طبيعة الاتفاقات المطروحة.

 

في المحصلة، تواجه استراتيجية إيران وسعيها إلى فرض وقائع جديدة في المنطقة تحديات كبيرة. فواشنطن وتل أبيب يرفضان منحها شرعية السيطرة على هرمز. الغرب من جهته متخوف من إعادة تمويل البرنامج الصاروخي، فيما هشاشة الوضع الداخلي ينذر بتصاعد الاحتجاجات الشعبية مستقبلا مع استمرار الضغوط المعيشية، ناهيك عن موضوع تمويل الأذرع وموقف الدول المحيطة. وبذلك، تبدو إيران أمام معادلة معقدة: محاولة انتزاع اعتراف بدور إقليمي مهيمن، مع السعي في الوقت نفسه لمنع تحوّل الأزمة الاقتصادية والحرب الطويلة إلى تهديد داخلي للنظام نفسه.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment