الكاتب السياسي فرنسوا الجردي
في كل دول العالم، تُبنى السياسات التربوية على قاعدة أساسية مفادها أن حماية الإنسان تسبق تقييمه، وأنّ سلامة التلميذ النفسية والجسدية مقدّمة على أيّ استحقاق إداري أو أكاديمي. من هذا المنطلق، يصبح الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية في لبنان، في ظلّ الظروف الأمنية والحربية والاقتصادية الراهنة، قرارًا يفتقر إلى الحكمة التربوية والعدالة الإنسانية، ويستدعي مراجعة جريئة ومسؤولة تقود إلى إلغاء امتحانات الشهادات الرسمية هذا العام، واستبدالها بإفادات مدرسية عادلة ومنصفة.
هذا الطرح ليس دعوة إلى التراخي، ولا هروبًا من الاستحقاق، ولا انتقاصًا من قيمة الشهادة الرسمية، بل هو تعبير عن فهم عميق لوظيفة التربية في أوقات الأزمات، حين يصبح الهدف الأول للتعليم هو حماية المتعلّم، وصون كرامته النفسية، وضمان الحد الأدنى من العدالة بين جميع الطلاب.
أولًا: لا امتحانات طبيعية في ظروف غير طبيعية
من غير المنطقي، بل من غير الأخلاقي، أن يُطلب من طالب يعيش تحت وطأة القلق والخوف، أو النزوح، أو فقدان الاستقرار، أن يخوض امتحانًا مصيريًا وكأن شيئًا لم يكن.
الطالب اللبناني اليوم لا يعيش ظروفًا تعليمية متكافئة. فمنهم من استطاع متابعة دروسه بانتظام، ومنهم من تعرّض لانقطاع متكرر بسبب إقفال المدارس، أو تحويلها إلى مراكز إيواء، أو صعوبة التنقل، أو فقدان الكهرباء والإنترنت، أو حتى بسبب الخوف النفسي الناتج عن الحرب. كيف يمكن في ظلّ هذا التفاوت الصارخ أن نتحدث عن امتحان موحّد أو عن تكافؤ فرص؟
الامتحان الرسمي يفترض مسبقًا وجود بيئة تعليمية مستقرة، ومناهج مكتملة، وفرص متساوية، وشروطًا نفسية مقبولة. وهذه جميعها مفقودة اليوم.
ثانيًا: الصحة النفسية للطلاب والأساتذة ليست تفصيلًا
أثبتت الدراسات التربوية والنفسية الحديثة أنّ التعلّم الفعّال لا يتحقق في بيئات القلق المزمن. فالحرب لا تدمّر الحجر فقط، بل تترك أثرًا عميقًا في وجدان الطلاب، يتمثل في التوتر، واضطرابات التركيز، والانهاك النفسي، وتراجع القدرة على الحفظ والتحليل.
الإصرار على الامتحانات الرسمية في هذه الظروف لا يعني فقط تعريض الطلاب لضغط إضافي، بل يهدد بترسيخ تجربة تربوية مؤلمة قد تربط المدرسة بالخوف بدلًا من الأمان، وبالعقاب بدلًا من الدعم.
ولا يمكن إغفال واقع الهيئة التعليمية نفسها. فالأساتذة أيضًا يعيشون الظروف ذاتها من قلق اقتصادي وأمني ونفسي، ويُطلب منهم في الوقت ذاته إنهاء المناهج، والتحضير للامتحانات، والتصحيح، ومواكبة الطلاب. كيف يمكن لنظام تربوي مرهق أن ينتج تقييمًا عادلًا؟
ثالثًا: أين العدالة التربوية؟
العدالة في التعليم لا تعني إخضاع الجميع للامتحان نفسه، بل تعني ضمان أن يصل الجميع إلى الامتحان من نقطة انطلاق متقاربة. وهذا غير متوفر إطلاقًا اليوم.
الفجوة التعليمية بين المناطق اللبنانية أصبحت كبيرة جدًا. هناك مدارس فتحت أبوابها بشكل طبيعي نسبيًا، وأخرى أقفلت أسابيع طويلة. هناك طلاب تلقّوا تعليمًا حضوريًا، وآخرون اكتفوا بالتعليم عن بُعد، وآخرون انقطعوا كليًا عن التعلّم.
في ظل هذا التفاوت، يصبح الامتحان الرسمي أداة لإعادة إنتاج الظلم بدلًا من قياس الكفاءة.
رابعًا: التعليم المهني والتقني… القطاع المنسي
إذا كان واقع التعليم العام صعبًا، فإن وضع قطاع التعليم المهني والتقني أكثر تعقيدًا وخطورة.
فعدد كبير من المعاهد الرسمية تحوّل إلى مراكز إيواء، ما أدى إلى تعطيل العملية التعليمية أو تشويهها. كما أنّ العديد من المختبرات وورش العمل والمصانع التطبيقية داخل هذه المعاهد تعاني أصلًا من نقص حاد في المعدات التكنولوجية الحديثة، وافتقار إلى المواد التشغيلية الأساسية، وتقادم في التجهيزات، ما يجعل التدريب العملي—وهو جوهر التعليم المهني—شبه مستحيل في كثير من الاختصاصات.
كيف يمكن لطالب في اختصاص تقني أو صناعي أو صحي أن يُقيَّم رسميًا على مهارات لم تتح له فرصة اكتسابها أو تطبيقها؟
إن إجراء امتحانات رسمية موحّدة في قطاع يعاني هذا القدر من التفاوت والتعطيل يشكّل إخلالًا فادحًا بمبدأ العدالة التربوية، ويهدّد مصداقية الشهادات نفسها.
خامسًا: الإفادة المدرسية ليست تنازلًا بل حلًّا تربويًا مسؤولًا
لقد لجأ لبنان سابقًا، في ظروف استثنائية، إلى خيار الإفادات المدرسية، كما فعلت دول عديدة واجهت حروبًا أو كوارث أو أزمات صحية كبرى. ولم يكن ذلك يومًا دليل ضعف، بل تعبيرًا عن مرونة الأنظمة التربوية وقدرتها على حماية الأجيال.
الإفادة المدرسية، إذا بُنيت على تقييمات تراكمية موثقة أجرتها المدارس طوال العام، يمكن أن تكون أكثر عدالة من امتحان نهائي يُجرى في ظروف غير عادلة.
وهي تتيح أيضًا للدولة أن تُعيد تنظيم أولوياتها: دعم المدارس، ترميم البنية التعليمية، معالجة الفاقد التعلّمي، والاستعداد لعودة طبيعية لاحقة إلى الامتحانات الرسمية عندما تسمح الظروف.
خاتمة: القرار التربوي الشجاع هو المطلوب
المطلوب اليوم من وزارة التربية ليس التمسك الشكلي بالامتحانات، بل اتخاذ قرار شجاع ومسؤول بإلغائها هذا العام، واستبدالها بإفادات مدرسية تحفظ حق الطلاب وتصون العدالة التربوية.
لا دولة محترمة تمتحن أبناءها فيما هم يعيشون القلق والخوف وعدم اليقين. ولا نظام تربوي إنساني يضع الامتحان فوق الإنسان.
في زمن الحرب، تصبح الرحمة سياسة، وتصبح المرونة مسؤولية، وتصبح الإفادة المدرسية خيارًا تربويًا وأخلاقيًا ووطنياً بامتياز.













05/08/2026 - 13:54 PM





Comments