رشيد ج. مينا
في زمنٍ باتت فيه الحروب تُخاض بالصورة والمعلومة والرمز، لم يعد الفراغ في العقل مجرد غياب، بل ساحة مشتعلة تملؤها الأفكار الجاهزة والدعوات المضلِّلة.
مقاربة مختلفة… لا تغوص في الفلسفة، بل تلامس الواقع، وتطرح سؤالًا جوهريًا:
هل حقًا يمكن للعقل أن يكون فارغًا؟
أم أن ما نسميه فراغًا هو في الحقيقة غياب الحصانة، وتسليم الذات للتيارات السائدة من دون وعي أو تمحيص؟
في زمن احتلال العقول، لا يكون الدفاع إلا بوعيٍ متجدد، وفكرٍ ناقد، وموقفٍ يرفض أن يُختزل الإنسان في سوق المصالح والاستهلاك.
لا فراغ في العقل… بل صراع على من يملأه
الفراغ ليس مجرد حيّز مادي، كما في الفيزياء، أو وقت متاح للراحة أو الترفيه.
الفراغ الأخطر هو ذاك الذي يصيب العقل… لكن ليس بالمعنى التقليدي، بل بمعناه الحديث:
الفراغ الذي يُترك دون وعي، دون فكر، دون فلترة، ودون مقاومة!في علم الفيزياء، ما ينقص من فراغ تملؤه مادة أو هواء… وكذلك العقل:
إن لم تملأه بالقيم والمعرفة والمبادئ، ملأه غيرك بما يخدم مشروعه.
لا وجود لعقل "فارغ" أو "محايد"…
إما أن تبنيه أنت، أو يبنيه غيرك.
إما أن تُمسك بقيادته، أو يُقاد بك إلى حيث لا تدري.
هذا هو التحدّي الأخطر في عصرنا.
فالهجمات التي تُشنّ اليوم ليست على الجغرافيا فحسب، بل على العقول:
بالمحتوى المضلّل، بالصورة المثيرة، بالمنصّات التي تسلّع الإنسان، وتعيد تشكيله ككائن استهلاكي، فاقد للحصانة.
نعم، العقل العربي مستهدف، والفراغ بداخله ليس راحة… بل ساحة مفتوحة لكل غزو فكري وثقافي.
الفراغ في العقل هو بداية السقوط.
وأخطر ما فيه: أنه لا يُرى مباشرة… بل يُكتشف متأخرًا، بعد أن تُهزَم القيم، وتتبدّل القناعات، ويتعوّد الإنسان على ما لا يليق.
الوعي هو السلاح.
والتحصين يبدأ من فكرة، ومن كتابة، ومن قراءة، ومن حوار…
ولذلك لا مفر من المعركة، ولا مفر من الوعي، ولا مفر من ملء الفراغ بما هو أحق وأبقى.













05/08/2026 - 13:33 PM





Comments