بقلم: ألفة السلامي
عادت بي الذاكرة إلى قبل نحو عقدين ماضيين عندما كنت أجلس في عزاء الفنان الراحل هاني شاكر. كان هاني ضيف حلقة برنامج "أتكلم" الذي كانت تقدمه الإعلامية لميس الحديدي على شاشة التلفزيون المصري (القناة الأولى)، وحدث أمر طارئ هدد بإلغاء الحلقة بعد تعذر وصول هاني شاكر للأستوديو بسبب حادث مروري على الطريق الدائري من بيته إلى ماسبيرو. تعود الواقعة إلى عام 2008، وتحديدا يوم الاثنين 22 ديسمبر 2008؛ كانت الحلقة بمناسبة عيد ميلاد الفنان هاني شاكر الذي وُلد في 21 ديسمبر، وأقيمت الحلقة في اليوم التالي مباشرة لتكون احتفالية خاصة به في برنامج "اتكلم" الذي شهد ذروة نجاحه في تلك الفترة.
ولعلي لا أبالغ عندما أعتبر هذه الحلقة حدثاً استثنائياً في تاريخ التلفزيون المصري وأبطال العمل من أصغرهم إلى أكبرهم في مواقعهم، لأنها توثق واحدة من أشهر كواليس "ماسبيرو" التي سبقت عصر "التريند" بمفهومه الحالي، لكنها أحدثت ضجة واسعة مماثلة آنذاك.
كان التوتر هو المسيطر على حوالي نصف ساعة قبل بدء البرنامج، لكنها كانت أطول نصف ساعة بمقياس إدارة الموقف وإيجاد حل مثالي للأزمة وإنقاذ البرنامج. كان الأستاذ عبد اللطيف المناوي قد تواصل معي بصفتي رئيسة تحرير البرنامج متحدثا من التليفون الأرضي الداخلي في "الكونترول روم".
أعطاني عشر دقائق فقط لحل الموقف أو إعلان إلغاء الحلقة. لم يتم تصدير هذا القلق والتوتر إلى لميس بل الحرص على تهدئتها بأن الموقف سيتم حله بسرعة، رغم كون موظف من الإنتاج بدأ بالفعل في تجهير صيغة الاعتذار الذي سيظهر على الشاشة للجمهور. وحافظت لميس على هدوئها باحترافية وتركت كل شخص يتحمل مسؤوليته، وهذه ميزة لميس طوال فترة عملي معها حيث تضع الثقة في طاقم العمل، دون أن أشك لحظة أنها تتابع التفاصيل بطريقتها مع المخرج والضيف وتطّلع على آخر التطورات جيدا، وعن بعد إذا تطلب الأمر ذلك.
اتصلت بهاني شاكر وهو في السيارة وكنت أسمع صدى أصوات الفوضى من حوله. وأكد لي أنه شبه مستحيل التحرك بالسيارة قبل وصول سيارة الإسعاف لنقل الجرحى وإزاحة السيارتين المتصادمتين.
ليس من طبعي الاستسلام والهزيمة ولا أؤمن بالمستحيل في تلك الفترة وأنا في عنفوان شبابي. فكرت مباشرة في وسيلة تنقل هاني إلى الأستوديو وتنقذ الموقف. فجأة ظهر ضوء في العتمة: إنه الموتوسيكل ولا غيره لإحضاره! قلت الفكرة للمخرج محمد عاطف وبشخصيته المرحة أصبح يرقص فرحا لقرب الانفراجة. لكن التحدي الآن كيفية العثور على موتوسيكل!
أخذت أتجول على وجه السرعة في الأستوديو ومعي سامر كمال الدين وهو المسؤول عن إنتاج البرنامج من قطاع الأخبار وأحد أهم الأسماء الإعلامية في ماسبيرو الآن. ميزة سامر أنه يتصف بالهدوء الشديد وهي من المهارات المهمة في عمل المجموعة خاصة وقت الأزمة. وقد أعطاني من طاقته وهدوئه للتفكير الرصين. وظهر عامل الإضاءة الذي أخبرني متطوعا بأنه يستطيع استخدام موتوسيكله للمهمة. وفعلا انطلق على وجه السرعة وحددنا للمهمة وقتا يتراوح بين ربع ساعة وعشرين دقيقة. وإلى هذا الحد لم أكن قد أخبرت هاني شاكر بهذا الأمر. اتصلت به وكان النجاح في إقناعه يتراءى لي كما الفشل بالضبط بنسبة متساوية 50%. لكنه فاجأني ولم يتردد لحظة بل عبر عن حماسه لتنفيذ المهمة ودون مشقة في الإقناع.
وركب هاني خلف عامل الإضاءة على الموتوسيكل. وتحمس الجميع للمزيد من الإجادة والإبداع؛ تحدث سامر كمال الدين مع المخرج محمد عاطف وأخبراني أنه سيذهب على وجه السرعة لإحضار كاميرا من قطاع الأخبار لتكون في انتظار هاني شاكر عند الوصول إلى بوابة ماسبيرو، ويحملها المخرج وائل الشال، واحد من أهم "الكاميرامان" في قطاع الأخبار وماسبيرو آنذاك، وهو الآن مخرج معروف في القنوات المتخصصة. رافق ذلك الموقف كله لحظات توتر شديد حول إمكانية الربط التقني الناجح بين الكاميرا وكاميرات الأستوديو.
كانت الكاميرات "دائرة" –كما نقول عند تشغيلها-والمذيعة على الهواء تعلن وصول هاني شاكر فيما تعرض الكاميرا المحمولة من وائل صورة حية للمشاهدين لمتابعة وصول هاني إلى البوابة والتفاف المواطنين حوله أمام المبنى وتلقائية هاني "العظيم" في الحديث معهم والتقاط الصور أيضا من المصورين، الذين قمت بإرسالهم إلى الموقع، ودون ارتباك من هاني بل كانت الابتسامة على محياه إلى أن وصل بالفعل إلى داخل الأستوديو وانضم إلى لميس وطاقمها بعد أن تجاوز التأخير 35 دقيقة عن موعد بدء الحلقة في العاشرة مساء.
وقد صنع ذلك حدثا مدويا على طريقة "التريند" هذه الأيام، ولم تكن الحلقة مجرد حوار فني، بل تحولت إلى "حدث مباشر" (Breaking News) بسبب سرعة البديهة وتصرف فريق عمل في إرسال الموتوسيكل، وهو ما جعل الصحف في صباح اليوم التالي تصف هاني شاكر بـ "النجم المنضبط" الذي خاطر بركوب وسيلة مواصلات غير معتادة لنجوم بوزنه حتى لا يخذل جمهوره على الهواء. وقد ضجت مختلف وسائل الاعلام بالخبر والصور وكان الخبر رقم واحد في المواقع، والصحف في اليوم الموالي. وأتذكر أن الخبر احتل الصفحة الأولى لجريدة المصري اليوم في عددها الصادر يوم الثلاثاء 23 ديسمبر 2008 تحت عنوان "هاني شاكر يستعين بـ «موتوسيكل» للوصول لـ «أتكلم» في موعده"،
مع الصورة الشهيرة التي نُشرت داخل الخبر وكانت تظهره وهو يرتدي معطفاً شتويا أنيقا أسود اللون (بالطو) ويترجل من خلف سائق الموتوسيكل أمام مبنى التلفزيون المصري. بينما أشادت جريدتا الأهرام والأخبار" بالواقعة تحت عناوين مثل "هاني شاكر يتحدى زحام القاهرة بالموتوسيكل لعيون لميس الحديدي". كما أشادت الأخبار المنشورة في المواقع وصفحات الفن وقتها بروح "النجم" التي يتمتع بها هاني شاكر، وكيف أن "فريق إعداد البرنامج" نجح في إنقاذ الهواء بحل غير تقليدي، مما حوّل المأزق المروري إلى "خبطة إعلامية". وقد أثبتت أن الإخلاص في العمل والانسجام بين طاقمه والإبداع في إدارة الأزمات خلف الكاميرا هي ما يصنع الأحداث التي لا تنسى.
وهكذا تحولت حلقة احتفالية بـعيد ميلاد هاني شاكر الـ 56 (في ذلك الوقت)، من التوتر نتيجة "تأخر الضيف" إلى "أقوى دخلة لضيف" في تاريخ برامج التوك شو المصرية، وهو ما جعلها حلقة لا تُنسى في تاريخ برنامج "أتكلم" والقناة الأولى والتلفزيون المصري. ولا أخفيكم أن لحظات المشاركة في عزاء هذا النجم ذي الشعبية الجارفة ولقاء لميس الحديدي وهي صديقة لنهلة زوجة الراحل هاني شاكر أعادت لي فخر تلك اللحظة والاحترام والتقدير الذي أكنه لهذا النجم "غير العادي" بفنه وموهبته وشخصيته وأخلاقه.
الصورة الحدث من إهداء الذكاء الاصطناعي!













05/08/2026 - 10:41 AM





Comments