لماذا الشراكة مع أوروبا أولوية ؟

05/06/2026 - 14:34 PM

Atlantic home care

 

بركات شاهين

نحن أبناء المتوسط، وهذا البحر لم يكن يومًا مجرد حدٍّ جغرافي، بل كان عبر قرون طويلة فضاءً حضاريًا مشتركًا، يمكن وصفه – مجازًا – بأنه “بحر سوري” بحكم عمق الحضور التاريخي والثقافي لمدنه الشرقية. وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن اسم “أوروبا” نفسه يرتبط بأساطير فينيقية/سورية قديمة، ما يعكس تداخل الجذور بين الضفتين. .. حتى قناديل الكنائس كانت منذ القدم توقد بزيت الزيتون السوري .،.

لقد شكّل البحر الأبيض المتوسط جسر تواصل لا حاجز فصل، حيث ازدهرت عبره التجارة والثقافة والهجرات. ويُروى عن سقراط قوله إن “السوريين يعبرون المتوسط بمجداف واحد”، في إشارة إلى مهارتهم وقوة حضورهم البحري والتجاري.

بلغت هذه العلاقات ذروتها في عصور تاريخية متعددة، لا سيما خلال العصر الأموي والعصر الفاطمي، حيث كان المتوسط بحر تفاعل وسلام، تتقاطع فيه المصالح وتتلاقى فيه الحضارات.

وفي العصر الحديث، شهدت العلاقات السورية–الأوروبية تطورًا ملحوظًا مع توسّع زراعة القطن واكتشاف النفط، إذ وصل حجم التبادل التجاري مع أوروبا إلى نحو 70% من إجمالي الصادرات والواردات السورية. وكانت سوريا على أعتاب توقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، ضمن مسار الشراكة الأوروبية–المتوسطية الذي انطلق مع إعلان برشلونة، وتُوّج لاحقًا باتفاقيات ومفاوضات متعددة في بروكسل.

كان الهدف الأوروبي يتمثل في إنشاء منطقة ازدهار مشترك عبر المتوسط، بحيث تصبح دول مثل سوريا ولبنان شركاء استراتيجيين، وبديلًا تنافسيًا لدول جنوب شرق آسيا، بفضل انخفاض تكاليف الإنتاج، وسرعة النقل، والقرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية. وقد شمل ذلك مشاريع لتوأمة المؤسسات، والجامعات، ومراكز البحث العلمي، إضافة إلى تطوير التعاون المصرفي لتسهيل الاستثمار ونقل التكنولوجيا.

وقد تجلّت هذه الشراكة عمليًا في ازدهار العلاقات الاقتصادية بين مدن مثل حلب وميلانو، وكذلك بينها وبين ليفربول، حيث اعتمدت صناعات النسيج الأوروبية بشكل كبير على القطن السوري عالي الجودة. وكانت أوروبا تنظر بجدية إلى سوريا بوصفها بوابتها الطبيعية إلى شرق المتوسط.

ويشرّفني أنني كنت جزءًا من الفريق الاقتصادي الذي ساهم في وضع اللبنات الأولى لهذه الاتفاقيات، وشارك في اجتماعاتها التحضيرية. ومن ثمار هذا المسار تأسيس مركز الأعمال السوري–الأوروبي، ليكون منصة معرفية ومصدرًا للاستشارات، خاصة لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتعزيز قدرتها على الانخراط في الاقتصاد العالمي.

غير أن هذا الزخم في التقارب السوري–الأوروبي تعثّر، بل أُفشل، بفعل تعقيدات الملف السياسي. فقد اعتبر نظام الأسد أن الانفتاح على أوروبا قد يهدد استقرار حكمه، خاصة مع الخشية من انتقال عدوى الديمقراطية إلى الداخل السوري. وهكذا توقّف مسار الحوار منذ نحو عقدين.

ولا بد من الإشادة بالدور الكبير الذي لعبه الصحافي والإعلامي المعروف المناضل عدنان عبد الرزاق، الذي واكب مشروع الشركة وغطّى تفاصيله بعمق، وساهم في رفع الوعي بأهمية هذه الشراكة وانعكاساتها الإيجابية على الاقتصاد السوري و ازدهار المنطقة ..

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment