لبنان: حين يتحول الاستثناء الى جزء من تعريف الدولة

05/06/2026 - 13:08 PM

A

 

 

الاعلامية سيلفانا سمعان

في لحظة ما، لا يعود السؤال في لبنان قانونيًا أو إداريًا فقط. تتراجع كل الطبقات التي يُفترض أنها تُعرّف الدولة: الدستور، المؤسسات، النصوص، وحتى التصنيفات السياسية والأمنية. ما يبقى في الواجهة ليس جوابًا جاهزًا، بل سؤال واحد مباشر: من يملك القرار الفعلي داخل هذه الدولة؟

في الحالة اللبنانية، لا يُطرح عادة سؤال كيفية نشوء تنظيم مسلح خارج إطار الدولة، بل كيف استمر هذا الخارج داخلها، ثم تمدد داخل نظامها السياسي، ثم أصبح جزءًا من توازنها الداخلي، من دون حسم قانوني واضح لطبيعته، ومن دون إدماج كامل ضمن منطق احتكار الدولة للسلاح. ومع مرور أكثر من أربعة عقود، تحوّل ما كان يُفترض أن يكون حالة استثنائية إلى عنصر ثابت داخل البنية السياسية.

من هنا، لا يمكن فهم الإشكالية من زاوية سياسية فقط. النقاش يبدأ من نقطة أبسط وأكثر حساسية: طبيعة هذا الكيان من الناحية القانونية، وكيف تشكّل خارج النماذج التقليدية المعروفة للأحزاب أو الجمعيات.

في لبنان، لا يوجد قانون شامل للأحزاب السياسية يحدد بدقة شروط التأسيس والهيكلية والوظيفة كما في أنظمة حزبية مقننة. الإطار الأكثر استخدامًا لتنظيم الكيانات غير الحكومية هو نظام الجمعيات القائم على مبدأ “العلم والخبر”، حيث يكفي الإخطار الإداري لتأسيس كيان مدني. هذا النموذج يفترض، في بنيته الأصلية، أن الجمعية كيان مدني غير مسلح، ذو أهداف واضحة، ويعمل ضمن رقابة إدارية لاحقة.

لكن هذا الإطار القانوني لم يكن دائمًا مرجعية حاسمة لتطور العمل السياسي في لبنان، خصوصًا في مراحل التفكك المؤسسي والحروب الداخلية، حيث تداخلت الحدود بين العمل الحزبي والعمل المسلح، وبين التنظيم المدني والوظيفة العسكرية.

في هذا السياق، تبرز الإشكالية المتعلقة بحزب الله ليس من زاوية الموقف السياسي، بل من زاوية التكوين البنيوي. فالتنظيم لم ينشأ ضمن مسار جمعية مدنية مسجلة وفق آلية العلم والخبر، ثم تطورت وظائفه لاحقًا، بل تشكّل في سياق حرب مفتوحة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢، وفي ظل انهيار فعلي لسلطة الدولة في أجزاء واسعة من البلاد.

داخل هذا الفراغ، بدأت نواة التنظيم بالتبلور ضمن بيئة اجتماعية وسياسية محددة، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى كيان سياسي وعسكري واجتماعي متعدد المستويات. هذا المسار يجعل التسلسل مختلفًا عن النموذج القانوني التقليدي: لم يكن هناك تأسيس قانوني أولي يتبعه تطور سياسي، بل نشوء ميداني سابق على أي إطار قانوني مستقر.

هذا التوقيت ليس مجرد نقطة ثانوية في السرد التاريخي، هو عنصر تأسيسي في فهم طبيعة التنظيم: لم يبدأ كجمعية مدنية مسجلة ثم تطورت وظائفه، بل نشأ كتنظيم مقاوم مسلح في سياق حرب، قبل أن يتطور لاحقًا إلى بنية سياسية واجتماعية متكاملة.

مع نهاية الحرب الأهلية، حاول اتفاق الطائف إعادة إنتاج منطق الدولة عبر مبدأ حل جميع الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة. تم تطبيق هذا المبدأ على معظم القوى المسلحة، لكن حالة حزب الله استمرت ضمن توصيف مختلف مرتبط بمفهوم “المقاومة” في سياق استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.

هنا انتقل الملف من الإطار القانوني الضيق إلى مساحة سياسية أمنية أوسع، حيث لم يعد الوجود المسلح يُقرأ كاستثناء يجب إنهاؤه، بل كوظيفة مرتبطة بظرف أمني قائم.

بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠، أُعيد طرح السؤال في صيغته الأكثر مباشرة: ما هو الأساس الذي يبرر استمرار قوة مسلحة خارج احتكار الدولة بعد زوال السبب الذي كان يُستخدم لتفسير وجودها؟ لكن بدل أن يؤدي هذا التحول إلى حسم قانوني، دخل الملف في طبقات جديدة مرتبطة بمفاهيم الردع الإقليمي، وتوازن القوى، والدور خارج الحدود.

في هذه المرحلة، لم يعد السؤال يدور حول التصنيف القانوني فقط، بل حول موقع هذا الكيان داخل بنية الدولة نفسها: هل هو جزء من معادلة أمنية غير مكتوبة؟ أم كيان موازٍ داخل النظام السياسي؟

هذا التداخل أنتج مقاربتين متناقضتين. الأولى ترى أن أي قوة مسلحة خارج احتكار الدولة تفقد شرعيتها البنيوية ويجب دمجها بالكامل داخل المؤسسات الرسمية. والثانية تعتبر أن الواقع الأمني الإقليمي حوّل هذا الكيان إلى عنصر فعلي في توازن الردع، لا يمكن التعامل معه كتنظيم مدني خاضع لمنطق الحل الإداري.

على المستوى الدولي، تم تصنيف حزب الله من قبل عدد من الدول كمنظمة إرهابية، وهو ما أضاف طبقة ضغط سياسية إضافية على الملف. لكن هذا التصنيف لم يتحول إلى أثر قانوني داخلي مباشر داخل لبنان، ما أبقى الفجوة قائمة بين الإطار الدولي والواقع الداخلي، بدل أن يحسمها.

في هذا السياق، بقيت الدولة اللبنانية في موقع إدارة التناقض بدل حسمه. فغياب الحسم القضائي أو القانوني لا يعكس غياب النصوص، بل يعكس طبيعة النظام السياسي نفسه، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية مع التوازنات السياسية والأمنية، خصوصًا في الملفات ذات الطابع السيادي.

بالتالي، تتحول المسألة من سؤال قانوني حول طبيعة كيان معين إلى سؤال أوسع وأكثر حدة: هل استطاعت الدولة اللبنانية منذ نهاية الحرب أن تعيد تعريف احتكار القوة بشكل حصري ونهائي داخل حدودها؟

الإجابة العملية تشير إلى أن هذا التعريف بقي غير مستقر. ليس بسبب وجود استثناء واحد، بل بسبب تحوله إلى جزء من البنية العامة للنظام السياسي، بدل أن يبقى خارجه.

وهنا تكمن المفارقة البنيوية، الدولة لا تفقد قدرتها على الحسم عندما تواجه استثناءً، بل عندما يصبح الاستثناء جزءًا من تعريفها العملي اليومي.

في هذه النقطة تحديدًا، يصبح الإشكال أعمق من قضية تنظيم واحد، ليصل إلى بنية الدولة نفسها. هل ما زالت قادرة على إنتاج حدود واضحة بين الداخل والخارج، بين القانون والاستثناء، بين الاحتكار والتعدد؟

حين تتآكل هذه الحدود، لا يعود النقاش حول كيان بعينه، بل حول طبيعة النظام الذي يُفترض أنه يحدد معنى الدولة.

وفي النهاية، لا يعود السؤال: هل هذا الكيان داخل الدولة أم خارجها؟ بل هل ما زالت الدولة نفسها هي التي تملك تعريف من هو داخلها… ومن أصبح أكبر من هذا التعريف؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment