الكاتب السياسي فرنسوا الجردي
لم يكن القطاع التربوي في لبنان مجرّد مرفقٍ عام، بل كان على مدى عقود أحد أعمدة الهوية الوطنية ومصدر فخرٍ حقيقي للبنانيين في الداخل والاغتراب. مدارس وجامعات خرّجت أجيالاً نافست عالمياً، ونظام تعليمي لطالما اعتُبر من الأكثر تقدّماً في المنطقة. لكن هذا المشهد بدأ يتفكّك تدريجياً، إلى أن جاءت السنوات الست الأخيرة لتسرّع الانهيار وتكشف هشاشة البنية التي لم تُحصّن كما يجب.
منذ تفشّي جائحة كورونا (COVID-19)، دخل التعليم في لبنان مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب. الانتقال المفاجئ إلى التعليم عن بُعد كشف فجوة رقمية هائلة بين الطلاب: فئة استطاعت المتابعة بحدٍّ أدنى من الاستقرار، وأخرى انقطعت فعلياً عن التعلّم. لم يكن الأمر مجرّد تحدٍّ تقني، بل مسألة عدالة تربوية سقطت فيها المنظومة سقوطاً مدوّياً.
ثم جاءت الأزمة الاقتصادية، التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر، لتُجهز على ما تبقّى من قدرة النظام التربوي على الصمود. رواتب المعلّمين فقدت قيمتها، فهاجر الآلاف منهم أو تركوا المهنة. المدارس الخاصة رفعت أقساطها بشكل غير مسبوق، بينما عجزت المدارس الرسمية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب. هكذا، لم يعد التعليم حقاً مضموناً، بل امتيازاً متفاوتاً.
ومع تكرار التوترات الأمنية والحروب، تحوّلت بعض المدارس إلى مراكز إيواء، في مشهدٍ يلخّص المأساة: صفوفٌ دراسية تُستبدل بأسرّة طوارئ، وكتبٌ تُزاح لصالح ضرورات البقاء. في المقابل، غابت الرؤية الرسمية الواضحة، وتخبّطت القرارات بين فتحٍ وإقفال، حضورٍ وعن بُعد، من دون استراتيجية متكاملة أو قدرة على التنفيذ.
أزمة بنيوية لا ظرفية
ما يعيشه التعليم في لبنان اليوم ليس أزمة عابرة، بل أزمة بنيوية متعددة الأبعاد:
- تفكك الحوكمة التربوية
- انهيار الكادر التعليمي
- تفاوت الفرص التعليمية
- اهتراء البنية التحتية
- تراجع جودة التعليم
النتيجة: جيل مهدّد
أخطر ما في هذا الانهيار أنه لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بتداعياته على جيلٍ كامل.
هل من حلول؟
رغم قتامة الصورة، لا يزال بالإمكان وقف الانحدار، شرط الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الحلول:
1. إقرار خطة طوارئ تربوية وطنية
2. دعم المعلّم كأولوية مطلقة
3. إعادة الاعتبار للتعليم الرسمي
4. تقليص الفجوة الرقمية
5. اعتماد نموذج تعليمي مرن
6. تعزيز الحوكمة والمساءلة
7. ربط التعليم بسوق العمل
خلاصة
إن إنقاذ التعليم في لبنان ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية. فالدول لا تنهض إلا بمدارسها، وأي رهان على المستقبل من دون استعادة هذا القطاع هو رهان خاسر سلفاً.
لبنان الذي علّم العالم، لا يجوز أن يعجز عن تعليم أبنائه.













05/05/2026 - 08:46 AM





Comments