الحوار... شعار للهروب أم مسار للحل؟

05/05/2026 - 07:31 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

رشيد ج. مينا

الحوار، في جوهره، ليس طقسًا شكليًا ولا طاولة تدور عليها الكلمات بلا أفق… بل هو التزام بالصدق، وجرأة في طرح الأسئلة، وسعي نحو بناء مساحة مشتركة، لا على حساب الحق، بل لتجذيره.

فإذا لم يتحوّل الحوار إلى فعل تغييري، إلى منصة للإبداع الجماعي، إلى وسيلة تحرّر من المراوغة والاحتكار، فليس سوى عنوانٍ أجوف يضاف إلى قائمة الشعارات المنهكة.

نعم، نحتاج إلى حوار، لكن ليس أي حوار… بل الحوار الذي يولّد فكرًا، ويُنتج حلًا، ويصنع مستقبلًا يليق بالإنسان.

في زمنٍ تُرفع فيه الشعارات أكثر مما تُمارس القيم، يبدو أن "الحوار" بات من أكثر المصطلحات استهلاكًا، لكنه أيضًا من أكثرها فراغًا من مضمونها الحقيقي.

فمن المفترض أن يكون الحوار أداةً حضارية لحل النزاعات، ومنصة لتبادل الرأي، ومساحة لتوليد الحلول المشتركة التي تُعبّر عن عقول مختلفة تتقاطع على أرضية وطنية أو إنسانية. لكنه في واقع الحال، أصبح غالبًا غطاءً للهروب، وتأجيلاً للمواجهة، وسبيلاً لإعادة تدوير الأزمات بدل حلّها.

حين يتحوّل الحوار إلى أداة تعطيل

ما أكثر ما سمعنا عن "حوار وطني شامل"، أو "طاولة حوار جامعة"... وفي أغلب الأحيان، لم تكن هذه الطاولات سوى أداة لشراء الوقت، أو لتنفيس الاحتقان، أو لفرض تسوية على حساب الضعفاء.

في لبنان، تُستنسخ الحوارات بلا نهاية، وتدور في حلقة مفرغة. فالحوار، بدل أن يكون مدخلًا إلى الحل، أضحى وسيلة للحفاظ على الستاتيكو، وإعادة إنتاج السلطة نفسها، وإن بزخارف لغوية مختلفة.

من يملك الحوار؟

كيف يمكن لحوار أن يُنتج فكرًا تغييريًا إن كان محصورًا بذات القوى التي أنتجت الانهيار؟

كيف نحاور تحت سقف طائفي ومصلحي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الزعيم أو المرجعية؟

كيف نحاور، والنتائج محسومة سلفًا، والأهداف الحقيقية مخفية؟

الحوار الحقيقي... ليس طاولة، بل ثقافة

الحوار الحق ليس إعلانًا سياسيًا ولا اجتماعًا بروتوكوليًا.

إنه مسار متكامل، يبدأ من الإرادة الصادقة، يمر بـ الاعتراف بالأزمة، ويُبنى على قاعدة الشراكة والتكافؤ لا الإخضاع.

هو تفكير جماعي في الحلول، لا صراع أجندات.

هو استحضار للكفاءات والأفكار، لا مجرد إعادة تموضع للسلطات.

هو جهد مستمر لتوليد أيديولوجيا وطنية جامعة، لا عنوانًا للاستقطاب أو التجميل.

الشباب... وأمل إعادة المعنى

يبقى الأمل معقودًا على الشباب الواعي الذي لم تبتلعهم ماكينة الاصطفاف المذهبي والطائفي. هؤلاء هم القادرون على إطلاق حوار بديل، ينطلق من الواقع، لكنه لا يخضع له.

حوار يؤمن أن لبنان لا يُبنى بالمحاصصة، بل بالشراكة؛ لا بالطوائف، بل بالمواطنين.

* لن ننتصر على المأزق ما لم نعيد تعريف الحوار:

ليس وسيلة للهروب، بل طريق للوصول.

ليس ساحة للمماطلة، بل ورشة للإنقاذ.

وما لم يقترن الحوار بالفعل، والجرأة، والإرادة الصادقة... فسيبقى مجرّد شعار يرفع حين نريد ألّا نفعل شيئًا.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment