إعادة رسم المنطقة… من إسقاط الطائف إلى تفكيك الإطار العربي

05/04/2026 - 12:36 PM

Arab American Target

 

 

 رشيد ج. مينا

بين ما نراه من أحداث، وما يجري فعليًا في عمق المنطقة، مسافة لا تُقاس بالوقائع فقط، بل بطريقة قراءتها.

هل نحن أمام صراعات متناقضة… أم أمام إعادة رسم هادئة لموازين النفوذ؟

لبنان في قلب هذا التحول… والعالم العربي أمام اختبار جديد.

قراءة في ما وراء الأحداث… وما قد تحمله المرحلة المقبلة.

كثيرة هي الكتابات والأحاديث والتحليلات التي تتناول تطورات الصراع العسكري والسياسي والاقتصادي الذي شهدته وتشهده المنطقة، وكثيرة معها التساؤلات: إلى أين تتجه الأمور؟ وعلى ماذا ستنتهي؟

لكن، رغم هذا الزخم من التحليل، يبقى الربط بين مسارات الأحداث قائمًا لدى من يقرأها ضمن سياق أوسع: من جنوب لبنان إلى مضيق هرمز، مرورًا بطهران ومفهوم «ولاية الفقيه»، وصولًا إلى الحضور الإسرائيلي في عمق هذه التحولات.

هذه التطورات، ورغم تعدد القراءات حولها، تشير إلى واقع يتكرّس تدريجيًا: أن إسرائيل لم تعد فقط في موقع المواجهة العسكرية، بل تسعى إلى توسيع هامش تأثيرها، مستندة إلى تفوق تكنولوجي واضح واستثمار متواصل في تعزيزه، ضمن بيئة دولية توفّر لها دعمًا سياسيًا واستراتيجيًا، تقوده الولايات المتحدة بدرجات متفاوتة من الانخراط.

في المقابل، تبدو إيران، رغم خطابها التصادمي، جزءًا من مشهد معقّد، حيث لا تظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة على وجود إرادة دولية لتغيير بنيتها السياسية، بقدر ما يبدو أن العلاقة معها تُدار ضمن حدود اشتباك محسوبة، تتداخل فيها عناصر التنافس والتفاهم في آنٍ معًا.

انطلاقًا من ذلك، يصبح من الصعب فصل ما يجري عن مسارات أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، قد يكون من بين ملامحها إعادة توزيع الأدوار بين القوى الفاعلة، بما في ذلك دول لعبت تاريخيًا أدوارًا مؤثرة في محيطها العربي.

في هذا الإطار، يبرز النقاش حول مستقبل اتفاق الطائف في لبنان، ليس فقط كمسألة داخلية، بل كجزء من مشهد أوسع يرتبط بالدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية في رعايته، وما قد يطرأ على هذا الدور من تحولات. وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد أن يكون هناك اتجاه—مباشر أو غير مباشر—نحو تقليص هذا الدور أو إعادة تعريفه ضمن توازنات إقليمية جديدة.

ولا يبدو هذا المسار منفصلًا عن تجارب سابقة في المنطقة، حيث شهدت دول محورية، مثل مصر، مراحل من إعادة تموضع لدورها الإقليمي ضمن معادلات فرضتها تحولات سياسية واستراتيجية متلاحقة.

أما في سوريا، ورغم التحولات الكبرى التي شهدتها، والدعم الذي حظيت به القيادة الجديدة من أطراف إقليمية، من بينها دول خليجية، فإن مسار الاستقرار لا يزال يواجه تعقيدات، توحي بأن المشهد لم يصل بعد إلى صيغة نهائية، وأن هناك عوامل إقليمية ودولية ما زالت تتحكم بإيقاعه.

وفي لبنان، تبدو بعض المسارات السياسية، ومنها الدفع نحو لقاءات مباشرة على مستوى القيادة، محكومة بعوامل داخلية وخارجية متداخلة. وفي هذا السياق، يُحتمل أن تحمل بعض هذه التحركات بعدًا إعلاميًا، يرتبط بحاجات سياسية لدى أطراف دولية، ومنهم دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، لتحقيق اختراق يُقدَّم كإنجاز، ولو لم يستند إلى التزامات واضحة أو نتائج فعلية على الأرض.

لكن اللافت في مجمل هذه التحولات، هو ما يمكن اعتباره اتجاهًا نحو إعادة النظر في شكل البنية العربية الجامعة. إذ تشير بعض المؤشرات إلى احتمال تراجع دور المؤسسات والتكتلات العربية التقليدية، مقابل صعود أطر تعاون أو تنسيق جديدة، قد تلعب فيها إسرائيل دورًا متقدمًا، خصوصًا في المجالات الأمنية والتكنولوجية.

قد تبدو هذه القراءة، للبعض، مبالغًا فيها، إلا أن تتبّع مسار السياسات الإسرائيلية، إلى جانب التحولات في المقاربة الأمريكية للمنطقة، يجعل من الضروري التعامل معها كفرضية تستحق النقاش، لا كاستنتاج نهائي.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا يجري؟

بل: إلى أي اتجاه تتقاطع هذه المسارات؟

وهل يدرك اللبنانيون حجم التحديات التي تحيط بواقعهم؟

وهل يعي العرب طبيعة التحولات التي قد تمسّ بنية أدوارهم وموقعهم في المعادلة الإقليمية؟

إن التحركات على أكثر من مستوى، وإن اختلفت في أشكالها، قد تقود—إن استمرت ضمن هذا المسار—إلى مزيد من إعادة التموضع، وربما إلى أشكال من التكيّف مع واقع جديد، لا تزال ملامحه قيد التشكّل.

وفي موازاة هذه التحولات، لا يمكن إغفال البعد الداخلي اللبناني، حيث تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة تعيد ترتيب الأولويات بعيدًا عن الارتهان للتجاذبات الخارجية. فلبنان، قبل أي حسابات أخرى، يحتاج إلى تثبيت وحدته الوطنية بوصفها المدخل الأساسي لأي مسار إنقاذي، ووضع مصلحة لبنان أولًا كقاعدة جامعة لا تخضع للمساومة.

وفي هذا السياق، يبقى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتحقيق الانسحاب الكامل، والعمل على تحرير الأسرى، من القضايا التي لا تحتمل التأجيل، لما تمثّله من أساس لأي استقرار فعلي. وبالتوازي، تبرز ضرورة بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها، واستعادة القرار الوطني المستقل، بما يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ودورها.

غير أن هذه المسارات، على أهميتها، تبقى بحاجة إلى إطار سياسي جامع، يُترجم عبر إطلاق حوار وطني جدي يطرح بوضوح سؤال: أي نظام يريده اللبنانيون؟ وما هي آفاق تطويره ديمقراطيًا على أسس المواطنة؟

إن بناء دولة المؤسسات، والاحتكام إلى القانون، والالتزام بالدستور، ليست شعارات، بل شروط أساسية لإعادة تكوين الدولة واستعادة ثقة اللبنانيين بها، ووضعها على سكة الاستقرار الفعلي.

في لبنان، لم يعد الخطر محصورًا بأزمة نظام أو خلل في التوازنات، بل بات مرتبطًا بمصير كيان يُعاد تشكيله خارج إرادة أبنائه، تحت عناوين التسويات والمفاوضات، فيما الحقيقة هي إعادة تموضع ضمن خرائط نفوذ جديدة.

وعربيًا، لم تعد المسألة صراع أدوار تقليدي، بل انتقالًا تدريجيًا من مرحلة التأثير إلى مرحلة الإقصاء، حيث يُعاد تعريف المنطقة ومؤسساتها وتكتلاتها بما يتناسب مع معادلات تُفرض بقوة الواقع، لا بمنطق الشراكة.

إن ما يُرسم اليوم، إن لم يُقرأ بوعي، لن يكون مجرد تحوّل سياسي، بل تحوّل في هوية المنطقة ودورها.

وعندها، لن يكون السؤال: ماذا خسرنا؟

بل: كيف وصلنا إلى لحظة لم نعد نملك فيها قرارنا… ولا حتى القدرة على الاعتراض؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment