كُفّوا عن التزاحم حول عرش الزَّمن الطّربيّ الجميل

05/04/2026 - 12:22 PM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم: مارون سامي عزّام

زمنُنا الذي عشناه في الماضي القريب أو البعيد، أو عرفناه من خلال حديث آبائنا عنه، أثَّر فينا؛ فاهتممنا بتفاصيله، أحببناه، ووثَّقناه في ذاكرتنا... أمّا مصطلحُ "زمن الفنّ الجميل"، فإنه يحتلّ الماضي، الحاضر والمستقبل، ولكنّنا بكل أسف لا نملكه، بل استوردناه من الدول المجاورة التي تُحييه وسائلُ إعلامها عبر مهرجاناتٍ وبرامجَ فنّيّةٍ وثائقيّة، تسرد سِيَر مطربيها الكبار المعروفين، الذين ما زالوا أعمدةَ زمن الفنّ الجميل والأصيل. أمّا هنا في هذه البلاد، وبالأحرى في الوسط العربي، فيُحييه مغنّونا على مدار السنة، إمّا من خلال الأعراس، أو الاحتفالات الموسميّة، أو حفلات تكريم جيل المطربين اللبنانيين، صُنّاع المجد الموسيقي، الذي بات منصّةَ مبارزة بينهم وبين زملائهم.

الفضائيّات الشهيرة في لبنان ومصر تُحيي بين الحين والآخر ذكرى كبار المطربين، لأنهم يستحقّون التكريم بعطائهم، كونهم من أبناء أوطانهم، رفعوا من قيمة الفن إلى قمة النشوة الطربيّة. أمّا في أوساطنا الفنيّة الغنائيّة، أسْهَمَ بعض المغنّين المحلّيّين بتشويه ملامح الموسيقى العربية، بأصواتٍ لا تنسجم بالمرّة مع روح الطرب الأصيل، وبحضورٍ يغلب عليه الطابع الاستعراضي، سعيًا لإرضاء نزعاتهم الفردية أكثر من إرضاء ذائقة الحاضرين، يتوهّمون أنهم حقًّا "أسياد الطرب" و"ورثة الزمن الجميل" الحصريون، رغم أنّ كثيرًا منهم ما كان ليحظى "بالحضور" على مسارح القاعات، لولا استحضارهم للأغاني القديمة التي صنعت مجد غيرهم، بمنافسة شريفة بين أساطين الطرب.

موسم الأفراح هو أكبر مُروِّج لأغاني الزّمن الجميل؛ فالمدعوّون لا يفرحون إلّا بسماعها من فم المغنّين، غيرَ أنّهُم يؤدّونها بطريقة غير سليمة، إذ يُدخلون عليها كلمات عجيبة، لا تخطُر ببال أحد، تُفسِد معناها الحقيقي، المهم أن يكسب المغنّين تحيّات الإعجاب من الحضور... فيُسرِّعون اللحن عمدًا من أجل تحميسهم على الرّقص في باحة الفرفشة!... هذه قلّة وفاء لأصحاب الفرح، وللنّاس، لأنه لولاهم لما نجح ذلك المغنّي المُفلِس فنِّيًّا، الذي يعيش "فنه" من مخزون أغاني الزَّمن الجميل، صاحب الفضل الأول والأخير على أي مُغَنٍّ محليّ.

الغاية الحقيقيّة هي أنّ ذلك المغنّي المنهَك من الأعراس، يريد إنهاء «مهمّته الطربيّة» بعد منتصف الليل بقليل، التي قدَّمها تحت رعاية "زمن الطرب الجميل". غير أنّي أسميه "زمن الموسيقى الثقيلة" على آذاننا وأعصابنا، إذ يبدو طويلاً حتى ليُحسب دهرًا، بسبب الانزعاج من تلك القرقعة الموسيقيّة "المستوحاة من سحر الزمن الجميل"!

جميعهم ليسوا مطربين، بل مغنّين، لأن المطربين حسب تعريف الكبير الرّاحل وديع الصافي، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، يظهرون كل مئة سنة. إذا تعمقنا في ثقافة معظم مغنّينا المحليين، نكتشف أنّ بعضهم لا يملكون قدرة غناء الأغاني القديمة، طبقات صوتهم غير مهيّئة لغنائها. إن المعادلة التي يعمل بها معظم المغنّين، تقول: "أنهم بدون زمن الفن الجميل، يصبحون عاطلين عن العمل، غير مطلوبين شبابيًّا"، من هنا نفهم أن المغنّين يتجنبون غناء أغانيهم الخاصة، حرصًا على إنجاح الفرح، وذلك يعني أن تنافسهم على "تجويد" أدائهم للطّرب الأصيل، هو من أجل إشعال مفرقعات السّلطَنة الليلية بين المدعُوّين المتناغمين، رافعين للمغنّين نخب شطارتهم!!

إحياء زمن الفن الجميل لم يُخلق من أجل الاستهتار بقيمته، وبقيمة عظماء المطرِبين، بل من أجل منحه التقدير المُسْتَحَق، لاحترام تلك الحقبة التّاريخيّة الفنيِّة التي انطلقت منذ أربعينيّات القرن الماضي، لغاية أواخر السّبعينيات، أما الثمانينيّات، تسمى الفترة الذهبيّة للأغاني اللبنانيّة الشّبابيّة التي غنّتها أسماء لبنانيّة قديرة، معروفة محليًّا أيضًا، لحّن معظمها الرّاحل الياس الرحباني، أمتعت الملايين في العالم العربي.

أهم سببين جعلا مغنّينا يتمسّكون بأغاني الزّمن الجميل هما: 1) افتقار وجود الأغنية المحليّة، 2) انحسار الأغاني المحليّة فقط على مواقع التّواصُل. لذلك يكتفي المغنّون بنشر أغانيهم الخاصّة عبر موقع يوتيوب، أملًا في أن ينالوا انتشارًا عربيًّا! هذا دليل تضحيتهم بأعمالهم الخاصّة، فيهملونها من أجل جمهور "السَّمّيعَة" في تلك الليلة، لأنه مقياسُ استمراريتهم بالأعراس، ليُتوّجوهم بألقاب مفبركة.

إذا أخذنا الفنانة المرموقة والشّاملة أمل مُرقُس، عندما بدأت مسيرتها الغنائيّة أطلقت أول ألبوم حمل اسم "أمل" عام 1998، واحتوى فقط على أغانِ محليَّة خاصّة، لإيمانها بالشعراء والملحّنين المحليّين المحترفين، وقامت بعروض محلية وعالمية، أما أغاني الزمن الجميل، فكانت تأخذ جزءًا بسيطًا من حفلاتها، كتكريم بسيط للفنانين العظام، كما يفعل مغنّو العالم العربي المشهورون. يجهل مغنّو الأعراس، أن الغناء الأصيل قد بات البنية الأساسيَّة التي تُحرِّك مشاعرهم، والمؤشّر الأقوى لانتشار أسمائهم بين النّاس!!

إعادة توزيع بعض الأغاني القديمة، أي تجديدها لتنال إعجاب الجيل الجديد، لم تعُد محَبَّذة، بعد أن كانت ظاهرة في العالم العربي. إدخال بعض الآلات الموسيقيّة والإيقاعيّة عليها، جعلها تفقد جمال اللحن الأصلي، بالإضافة إلى محاولة تقليد المغنّي للصّوت الأصلي، كتقريب مبتذل، قائم بكل أسف على التّجارة وليس على احترام روحيَّة أصل تلك الأغاني المعروفة.

على المغنّين المحليين أن يتدرّبوا على الغناء لدى مُدرِّسين مختصّين، ومعرفة طبقات الصّوت. زمن الغناء الجميل له أصوات حصريَّة، حيَّة في وجدان ذاكِرة كل واحد منّا، لا يمكنهم الاستخفاف بها... يناديها الحنين، لذا على الأقل أيها المغنّون، يحق لكم أن تغنّوها، ولكن بما يليق بأصحابها، بلا "جعجعة"، ولا يجوز أن تَعتَدي أصواتكم، المزدحمة بأغانٍ سخيفة، على عرش زمن الفن الجميل.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment