بيروت - اميرة العسلي
ها هم المقاتلون اليهود في جنوب لبنان. أمّا إذا كانت الغاية هي السلام وإعادة الحقوق إلى أصحابها، ومن سُلبت واجتزئت أرضه أن يستعيدها، فبعد ذلك على الرحب والسعة. فإذا أُعيد لكل صاحب حق حقه، فأبشروا بالأمن والسلام ما دام الهدف منها حقن الدماء وإعادة آلاف المشردين إلى قراهم ومنازلهم المهدّمة التي أصبحت خلال الحرب سراباً.
ولكن أن تتذرّعوا بالدفاع عن دولتكم وأنتم من اعتدى على دولتنا منذ البداية، فهذا كان سبباً لخلق تداعيات وأجنحة مسلّحة بغية لجم امتدادات التدخلات من قبل الدولة الإسرائيلية عشوائياً نحو أرض لبنان. لطالما كانت المشكلة موجودة، والمنازعات والمعارك المسلحة قبل ظهور حزب الله، فهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على وجود المشكلة منذ أن انتُزعت أرض فلسطين من سكانها عنوة واحتلالاً من قبل الجهات المحتلة بحجة استعادة أرض الميعاد.
أمّا إذا كان مبدأ الأمر باجتزاء أجزاء من أرض لبنان احتلالاً واغتصاباً، فلا اتفاقيات ولا ثمن لذلك، رغم أن وجود حزب الله ينفي وجود شرعية الدولة بكاملها، طالما يضع بيده زمام أمور القيادة دون أي مسؤولية تجاه شرعية الوطن وشعبه الذي أصبح بلا مأوى ولا اكتفاء ذاتي أو أمان. قرارات عشوائية غير مسؤولة تُتخذ على حساب الوطن والشرعية، وهذا لا يتفق مع استعادة الوطن. أن نجتزئ من الوطن افتراضيات وهمية أشبه بالخط الوهمي حول مدار الأرض، فهذا يعني ربما أنّ هناك مخلوقات وهمية شريرة تتحكم بمسار الأرض.
وبعد ذلك بدأت الاحتجاجات من طرف الجهة المعتدية بحجة أنهم يتعرضون لاعتداء من بعض الأحزاب على حدود الجنوب، والتي وُجدت أصلاً للجم الاحتلال، على قول المثل الشعبي: "ضربني وبكى ثم اشتكى". علماً أني، مثل الكثير من اللبنانيين، لا نحبّذ ولا يسعدنا أن تكون السلطة اللبنانية مشرذمة وتحت شريعة أحزاب مسلحة. ولبنان يجب أن يكون تحت غطاء الدولة الشرعية دون منازع.
يجب على الدولة اللبنانية أن تجد حلاً سلمياً لهذا القتال الذي لن يجدي نفعاً ولا سلاماً لدى الطرفين، وتكون النتيجة هلاك البلاد والعباد دون تمييز. السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا تريد إسرائيل من بلادنا؟ هلا سألتم أنفسكم ماذا تريدون من لبنان؟ وأقول الحق ولو كان على نفسي، إذ إن كلمة الحق تعلو ولا يُعلى عليها.
حبذا لو ظهر النبي موسى عليه السلام ونطق بالحق، إذ قال في نص الوصايا العشر كما وردت في العهد القديم – سفر الخروج (20):
- لا يكن لك آلهة أخرى أمامي
- لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً
- لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً
- اذكر يوم السبت لتقدّسه
- أكرم أباك وأمك
- لا تقتل
- لا تزن
- لا تسرق
- لا تشهد على قريبك شهادة زور
- لا تشتهِ بيت جارك، ولا امرأته، ولا عبده، ولا أمته، ولا شيئاً مما له…
وها أنتم تشتهون وتستحلون كل ما يملك جاركم لبنان، متجاوزين وصايا الله العشر التي وردت على لسان النبي موسى عليه السلام. وأنا أتحدث باسم الدين والتوراة لأن هناك من يعتقد أن هذه الحرب مقدسة بالنسبة لبني إسرائيل.
أمّا إذا كانت الغاية من تلك الحرب هي استعادة أرض الميعاد التي كانت تُدعى أرض كنعان، أي المنطقة الجغرافية المعروفة آنذاك، وتمتد تقريبياً من وادي العريش (نهر مصر) جنوباً إلى نهر الفرات شمالاً، وتشمل فلسطين التاريخية ولبنان وأجزاء من سوريا والأردن وصولاً إلى شبه الجزيرة العربية والعراق في التفسيرات الموسعة، أي كانت تمتد في عصر النبي موسى عليه السلام من النيل إلى الفرات تقريباً حسب ما ورد في التوراة.
ويصف التوراة لماذا لم يدخل موسى عليه السلام أرض الميعاد، كما يذكر أنه، مثل الملك داود، كانت يداه ملطختين بدماء الأبرياء حسب ما ورد في التوراة المقدس. كان بإمكانه أن يعترض على الله آنذاك بشأن ضرورة قتل كل بكر، وكان بإمكانه أن يسأل إن كان كل هذا السفك ضرورياً لفداء بني إسرائيل. وأنتم منذ ذلك العصر ما زلتم تجعلون للقتل قدسية.
إن الله رب موسى عليه السلام قد حرّم على بني إسرائيل دخولها حسب ما ورد في التوراة، وإن الله عاقب بني إسرائيل بأن حرم عليهم دخول أرض الميعاد. إذاً، لم تعودوا ولن تعودوا بعد ذلك "شعب الله المختار" لأنكم عصيتم وصايا الله حسب ما ورد في التوراة، وذلك بتخلي قوم موسى عن الخطة التي وضعها موسى حسب تعليمات الله له، وبذلك خالفوا وصايا الله آنذاك، فدفعوا أنفسهم إلى وضع أسوأ: دمار وشيك وشامل.
وحده موسى، الثابت على هدفه الأصلي، عرف كيف يتجنب الكارثة. ناشد الرب أن يغفر للشعب كما فعل من قبل. استجاب الرب، لكنه أعلن أن هناك عواقب لا مفر منها على عدد الشعب. لن يُسمح لأي من الذين انضموا إلى التمرد بدخول أرض الميعاد. أي بسبب التمرد حُرم عليهم دخولها آنذاك، وإذا دخلوها اليوم فلن يبقوا فيها، لأن في أرض الميعاد سوف تتجمع فيها الرسل حسب ما ذكر في القرآن الكريم في سورة المرسلات:
"إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ، فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ، وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، لِيَوْمِ الْفَصْلِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ".
الذين هم من أتباع المسلمين والنصارى واليهود. وأنتم لا تزالون تنتظرون عيسى عليه السلام، فيما جميع الأديان المنزلة بانتظار عودة السيد المسيح عليه السلام، وإن كان هناك اختلاف في وجهات النظر. وتنتظرون المهدي المنتظر، وأنا أعلم تماماً أنه سيكون من سلالة النبي داود عليه السلام وإدريس عليه السلام. حسب معلوماتي الدقيقة، إن الله تعالى رب الأنبياء والمرسلين، أمّا الخضر عليه السلام فهو الحيّ وله تسميات عديدة. هؤلاء سوف يتجمعون في أرض الميعاد، وسميت بأرض الميعاد لأنها ستكون فيها ميعاد تجمع الرسل قبل يوم القيامة.
"والحق الحق أقول: الويل لكم يوم صرير الأسنان" كما قال عيسى عليه السلام.
ومن هنا أنتقل لوصف المشهد اللبناني من العاصمة بيروت: المهجرون منتشرون في كل بقعة من بيروت مع أطفالهم وعائلاتهم هرباً من القصف العشوائي بعد تحذير الشعب من الخروج من مناطقهم. فكيف للأمور أن تستوي؟ وكيف للحروب أن تنصف الضعفاء الذين هم منصورون بعون من خلقهم ودبّر أمرهم؟
ها هم يفترشون الأرض في موجة الصقيع والبرد القارس، فلا مأوى ولا غطاء ولا طعام ولا شراب. خرجوا من ديارهم والهلع سيطر على تصرفاتهم، وهم لا يدرون أين يذهبون، وهم كُثر بالآلاف. معظمهم خرجوا بلا أموال أو طعام أو أغطية أو ملابس. لو خرج من بينهم النبي موسى عليه السلام لبكى مما فعله قومه وما بدر منهم بحق الضعفاء المساكين. وكما حمي غضب الله تعالى على أجدادكم يوم عصوا ربهم حسب التوراة، فسيغضب الله على أحفادهم أيضاً، ولن يستولوا على أرض الميعاد لأنها أرض ظهور الأنبياء والمرسلين: عيسى المسيح، المهدي المنتظر، والخضر الحيّ وولديه، عليهم السلام أجمعين.













05/04/2026 - 09:45 AM





Comments