مفيد خطّار
فِي قَلْبِ الظَّلَامِ، حَيْثُ تَضِيقُ الإِمْكَانِيَّاتُ، وَتَشْتَدُّ قَسْوَةُ الحَاضِرِ، وَيَتَسَلَّلُ الخَوْفُ إِلَى الأَنْفَاسِ، وَيَسْتَقِرُّ اليَأْسُ فِي القُلُوبِ كَأَنَّهُ قَدَرٌ لَا يُكْسَرُ، يَبْدُو المَشْهَدُ كَأَنَّهُ نِهَايَةُ الطَّرِيقِ.
لَكِنَّ شَيْئًا مَا يَحْدُثُ دَائِمًا عِنْدَمَا يَكْتَمِلُ الِانْطِفَاء… مِنْ حَيْثُ لَا يُنْتَظَرُ، يَرْتَفِعُ صَوْتٌ، لَا لِيَصِفَ العَتْمَةَ، بَلْ لِيَكْسِرَهَا. صَوْتٌ يُعِيدُ لِلِانْتِظَارِ نَبْضَهُ، وَيُوقِظُ فِي الأَرْوَاحِ المُنْهَكَةِ احْتِمَالًا نُسِيَ: أَنَّ الغَدَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَلِفًا.
غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الصَّوْتَ، مَا إِنْ يُولَدُ، حَتَّى يُحَاصَرَ؛ لِأَنَّ العَتْمَةَ لَا تَخْشَى شَيْئًا قَدْرَ مَا تَخْشَى مَنْ يَفْضَحُهَا. فَيُرَادُ لَهُ أَنْ يَصْمُتَ، أَنْ يَتَرَاجَعَ، أَنْ يَعْتَادَ لُغَةَ الِانْكِسَارِ. لٰكِنَّهُ لَا يُسَاوِمُ.
يَمُرُّ بَيْنَهُمْ بِهُدُوءٍ، وَيَزْرَعُ فِي الصُّدُورِ الَّتِي ظَنَّتْ أَنَّهَا انْتَهَتْ، نَفَسًا جَدِيدًا، وَيَهْمِسُ فِي عُمْقِهَا: لَيْسَ مَا تَعِيشُونَهُ نِهَايَةً… بَلْ بَدَايَةٌ لَمْ تُرَ بَعْدُ.
فِي مُجْتَمَعَاتٍ أَنْهَكَتْهَا الحُرُوبُ، وَسُرِقَ مِنْهَا الرَّجَاءُ، لَا يَكْفِي أَنْ نَرْثِيَ الظَّلَامَ، بَلْ نَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَقْتَحِمُهُ بِرُؤْيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَزْرَعُ المَعْنَى حَيْثُ جُرِّدَتِ الأَرْضُ مِنْ خُصُوبَتِهَا، وَيُشْعِلُ نُورًا يُعِيدُ تَعْرِيفَ العَتْمَةِ نَفْسِهَا.
فَالرُّؤْيَةُ لَيْسَتْ فِكْرَةً عَابِرَةً، بَلْ قُدْرَةٌ عَلَى إِعَادَةِ تَشْكِيلِ الوَاقِعِ مِنْ دَاخِلِهِ. وَحِينَ تَتَجَسَّدُ فِي صَوْتٍ لَا يَخَافُ، لَا تَقُودُ مُجْتَمَعًا فَحَسْبُ، بَلْ تُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَرَى نَفْسَهُ مِنْ جَدِيدٍ.
وَلَيْسَ السِّلَاحُ وَحْدَهُ مَا يَصْنَعُ المَصِيرَ، بَلْ حِينَ يُوَجَّهُ بِرُؤْيَةٍ تُحْسِنُ قِرَاءَةَ اللَّحْظَةِ، وَتَفْتَحُ مَسَارَاتٍ أُخْرَى لِلْفِعْلِ، يُصْبِحُ أَدَاةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَهَا.
وَفِي التَّارِيخِ شَوَاهِدُ عَلَى أَنَّ التَّحَوُّلَاتِ الكُبْرَى لَمْ تَصْنَعْهَا القُوَّةُ وَحْدَهَا، بَلِ المَعْنَى الَّذِي وُضِعَ خَلْفَهَا. فَقَدْ قَادَ غَانْدِي الهِنْدَ إِلَى الِاسْتِقْلَالِ بِرُؤْيَةٍ سِلْمِيَّةٍ، لَا لِأَنَّهُ امْتَلَكَ أَدَوَاتِ القُوَّةِ، بَلْ لِأَنَّهُ أَعَادَ تَعْرِيفَهَا، وَفَتَحَ طَرِيقًا لَمْ يَكُنْ يُرَى.
فَإِمَّا أَنْ نَبْقَى حُرَّاسًا لِلَّيْلِ، نُعِيدُ إِنْتَاجَ عَتْمَتِهِ بِصَمْتٍ مُنْهَكٍ، وَإِمَّا أَنْ نَصِيرَ نَحْنُ ذٰلِكَ الصَّوْتَ الَّذِي يَشُقُّ طَرِيقًا لِفَجْرٍ لَمْ يُرَ بَعْدُ.
فَالتَّارِيخُ لَا يَصْنَعُهُ مَنْ اعْتَادُوا العَتْمَةَ، بَلْ مَنْ قَالُوا لَهَا: لَنْ تَبْقَيْ كَمَا أَنْتِ.
وَهٰكَذَا تَبْدَأُ التَّحَوُّلَاتُ الكُبْرَى… مِنْ صَرَاحَةٍ صَادِقَةٍ، تَتْبَعُهَا جَرَأَةٌ لَا تَخَافُ، وَيَقُودُهَا وُضُوحٌ نَحْوَ المَعْرِفَةِ.
لَا مِنَ القُوَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ مِنْ رُؤْيَةٍ تَقْتَحِمُ الظَّلام وتُعِيدُ تَعْرِيفَ المُمْكِنِ،
وَتَفْتَحُ لِلْحَيَاةِ بَابًا جَدِيدًا.













05/03/2026 - 11:12 AM





Comments