الاعلامية سيلفانا سمعان
عندما ينكسر ميزان القوة في السياسة، لا تتوقف المعركة بل تتبدّل طبيعتها. في لبنان، هذا الانكسار لم يعد تراجعًا عاديًا في الأداء السياسي، بل تحوّل إلى نمط حكم بديل يقوم على تشويه الرموز كتعويض عن انهيار فعلي في القدرة على إنتاج الفعل السياسي.
هذا التحول لا يحدث في فراغ. تاريخيًا، عندما تفقد القوى السياسية قدرتها على التأثير المباشر، لا تختفي من المشهد، بل تعيد تعريف أدواتها. بدل السياسات، يظهر التخوين. بدل القرار، يظهر الاتهام. وبدل الفعل، يتم تصنيع سرديات هدفها إعادة تشكيل الإدراك العام لا إدارة الواقع.
ما يجري اليوم في لبنان تجاوز هذا المستوى التقليدي. الفضاء العام لم يعد يُدار كمساحة نقاش سياسي، بل كساحة إنتاج بصري متسارع تُستخدم فيها صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي ضمن خطاب تخويني قائم على التحريض والعداء والاتهام المباشر. النتيجة ليست فقط تشويه الخصوم، بل تفكيك فكرة السياسة نفسها وتحويلها إلى إدارة ممنهجة للانحدار.
هذا الاستخدام المكثف للصور ليس تطورًا تقنيًا، بل تحول بنيوي في طبيعة الفعل السياسي. في أدبيات علم السياسة، يُفهم هذا النمط كمرحلة من تفكك أدوات الإنتاج السياسي، حيث تتحول أدوات التواصل إلى أدوات صراع، وتتحول الرموز من عناصر استقرار إلى أهداف مباشرة داخل الاشتباك.
لكن في الحالة اللبنانية، الأمر لم يعد مجرد انتقال في الأدوات. ما نشهده هو تآكل متدرّج في القدرة على إنتاج أي فعل سياسي ذي معنى. ومع هذا التآكل، يتصاعد الاعتماد على آليات التخوين، اتهامات العمالة، وتشويه السمعة، ليس كخطاب جانبي، بل كبديل فعلي عن السياسة.
هنا لم يعد التشويه وسيلة ضغط أو أداة دعائية. أصبح هو البنية الأساسية للفعل السياسي نفسه. عندما تفشل القوى في فرض وقائع على الأرض أو إنتاج نتائج ملموسة، يتم تعويض هذا الفشل عبر إعادة تعريف الخصوم بشكل دائم: كخونة، كعملاء، أو كتهديد دائم للشرعية الوطنية.
خلال الفترة الأخيرة، تكرّر هذا النمط بشكل واضح وواسع، ليطال شخصيات في مواقع سيادية ودستورية، من رئاسة الجمهورية إلى البطريركية المارونية والبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي. هذا ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل مسار متصل يعكس توسّع دائرة الاشتباك من السياسة إلى الرموز المؤسسة للدولة.
في جوهره، هذا التحول يعكس انتقال الصراع من مستوى إدارة الدولة إلى مستوى إعادة تعريف الدولة نفسها. فحين تصبح الرئاسة والمرجعيات الدينية جزءًا من بنية الاستهداف، لم يعد الخلاف سياسيًا حول السلطة، بل صراعًا على معنى الشرعية داخل النظام.
سياسيًا، يُقرأ هذا التحول ضمن حالات التراجع السياسي المترافق مع تعويض رمزي، حيث تفقد القوى قدرتها على الفعل، فتنتقل إلى تضخيم الخطاب وإعادة إنتاج الخصوم كصور مشوّهة. لكن في الحالة اللبنانية، هذا التعويض لم يعد محدودًا، بل تحوّل إلى منظومة كاملة لإدارة العجز السياسي.
هذا يعني أن السياسة لم تعد تعمل بوظيفتها الأساسية: إدارة الخلاف وصناعة التسويات. بدل ذلك، يتم تفريغ السياسة من مضمونها وتحويلها إلى إنتاج مستمر للصور والسرديات، حيث يصبح الخصم كيانًا إعلاميًا أكثر منه فاعلًا سياسيًا.
الأخطر في هذا المسار أنه لا يكتفي بإعادة إنتاج الصراع، بل يوسّع نطاقه ليطال البنية الرمزية للدولة نفسها. عندما يتم إدخال مؤسسات مثل رئاسة الجمهورية والبطريركية المارونية في دائرة التشويه المباشر، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي، بل أمام تفكيك تدريجي لمراكز التماسك الرمزي للدولة.
هذا التحول يكشف أيضًا فقدان السيطرة على السردية السياسية. فبدل أن تُدار السرديات كأداة ضمن السياسة، أصبحت هي البديل عنها. وعندما تفقد السردية توازنها مع الواقع، تبدأ بالانفصال عنه، فتنتج واقعًا موازيًا قائمًا على الانتصارات الوهمية وسرديات الانكار.
لكن هذا النمط لا يملك قدرة استمرارية غير محدودة. كلما ازداد الاعتماد على التشويه بدل الفعل، والتخوين بدل السياسة، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وتبدأ القدرة على الإقناع بالتآكل حتى داخل البيئة التي تنتج هذا الخطاب نفسه.
في النهاية، ما يجري لا يمكن قراءته كأزمة إعلامية أو تصعيد سياسي تقليدي. هو انتقال أعمق في طبيعة الفعل السياسي نفسه: من إنتاج القرار إلى تكريس الهزيمة، ومن إدارة الخسارة إلى ترسيخ التراجع، ومن السياسة إلى ما بعد السياسة.
وفي ذروة هذا الانحدار، يطرح السؤال نفسه ببرود سياسي قاسٍ:
إذا كانت السياسة قد تحوّلت إلى منظومة لإعادة تعريف الخسارة كإنجاز، فهل ما زال ما نشهده يُدار بمنطق القوة السياسية الفعلية، أم أننا أمام مرحلة تُستبدل فيها أدوات الفعل السياسي بالكامل بمنظومة سرديات مصاغة اصطناعيًا، تعيد تدوير الأزمة بدل أن تفتح مسارًا للخروج منها؟













05/02/2026 - 11:56 AM





Comments