الخوري الدكتور نبيل مونس
في مطلع شهر أيار، يدخل المؤمنون في زمن نعمة خاص، زمن تفتحه الكنيسة على اتساعه ليكون شهرًا لمريم، أمّ الرب وأمّ الكنيسة. وفي هذا الشهر، ترتفع القلوب قبل الكلمات، وتلين الأرواح قبل الألسنة، لأن حضور مريم ليس فكرة نحتفل بها، بل نعمة نسكن فيها، وحنانًا يرافق مسيرتنا نحو الله.
يا مريم، يا أمّ النعمة والرجاء، نقترب منك في هذا الشهر كما يقترب الأبناء من قلب أمّهم. نأتي إليك حاملين تعب الأيام، ووجع القلوب، وأسئلة الحياة التي لا تنتهي. نأتي لأنك تعرفين ضعفنا، وتفهمين خوفنا، وتحتضنين رجاءنا كما احتضنتِ ابنك يوم حملتِه إلى الهيكل، ويوم وقفتِ تحت الصليب، ويوم انتظرتِ القيامة في صمت الإيمان.
في هذا الشهر المبارك، تدعونا الكنيسة إلى أن نعيد اكتشاف معنى الأمومة الروحية التي تقدّمينها لنا. فأنتِ التي قلتِ “نعم” يوم بشّرك الملاك، تعلّمينا أن نقول “نعم” نحن أيضًا لمشيئة الله. وأنتِ التي حفظتِ كل شيء في قلبك، تعلّمينا أن نصغي قبل أن نتكلّم، وأن نثق قبل أن نفهم، وأن نحبّ قبل أن نحكم.
يا أمّ الكنيسة، نرفع إليك صلواتنا من أجل عالمٍ يتخبّط في القلق والاضطراب. من أجل أرضٍ تنزف، وشعوبٍ تبحث عن سلام، وقلوبٍ تائهة تحتاج إلى نور. نصلّي من أجل المرضى والمتألمين، من أجل العائلات المجروحة، من أجل الشباب الذين يبحثون عن معنى، ومن أجل كبار السن الذين يحملون حكمة السنين ووجعها. نصلّي من أجل لبنان، هذا الوطن الذي أحببتهِ مذ وُلد، والذي ما زال يحتاج إلى شفاعتكِ ليقوم من أزماته إلى نور الرجاء.
وفي هذا الشهر، نضع أمامك كل بيت، وكل عائلة، وكل طفل يرفع عينيه نحو صورتكِ طالبًا حماية، وكل أمّ ترى فيكِ مرآة قلبها، وكل أبٍ يسلّمك تعب يومه، وكل مؤمن يضيء شمعة أمام مذبحكِ ليقول لكِ: “يا مريم، كوني معنا”.
يا أمّ الرحمة، اجعلي هذا الشهر زمن مصالحة مع الذات ومع الآخرين. افتحي في قلوبنا باب الغفران، وازرعي فينا روح الخدمة، وامنحينا شجاعة المحبة التي لا تخاف، والإيمان الذي لا يتزعزع، والرجاء الذي لا ينطفئ. علّمينا أن نكون أبناء نور، وأن نحمل حضوركِ إلى العالم من خلال كلمة طيبة، أو يد ممدودة، أو صلاة تُرفع في الخفاء.
وفي ختام هذا الشهر، لا نخرج منه كما دخلناه، بل نخرج وقد لمسنا شيئًا من حنانكِ، وتعلّمنا شيئًا من صمتكِ، واكتسبنا شيئًا من ثباتكِ. نخرج ونحن نعلم أن الطريق إلى الله يمرّ عبر قلبكِ، وأن كل من يضع يده في يدكِ لا يضلّ، لأنكِ أمّ الطريق، ونجمة الصبح، ورفيقة الدرب نحو المسيح.
يا مريم، يا أمّنا، باركينا في هذا الشهر وفي كل شهر، وارفعي صلواتنا إلى ابنكِ الحبيب، ليمنح العالم سلامه، وقلوبنا طمأنينته، وكنيستنا ثباتها، ووطننا قيامته.
آمين.













05/01/2026 - 10:14 AM





Comments