هل قُدِّم الجنوب قربانًا لبقاء السلاح؟

04/29/2026 - 22:54 PM

A

 

 

الاعلامية سيلفانا سمعان 

سلّم الجنوب كي لا يُسلَّم السلاح. قد تكون هذه العبارة، بكل قسوتها، الوصف الأكثر اختصارًا والأكثر صدمة لواحدة من أخطر المعضلات التي واجهها لبنان في تاريخه الحديث. لأن المسألة لم تعد، كما حاول كثيرون تصويرها لسنوات، مجرد نقاش نظري حول “سلاح مقاومة” أو “خيار استراتيجي” أو “توازن ردع”. ما انكشف اليوم، وسط النار والدمار والتهجير، هو سؤال أبسط وأكثر فظاعة: ماذا يحدث حين يصبح السلاح أولوية تتقدّم على الأرض نفسها؟ ماذا يحدث حين تُحرق القرى، وتُهجّر العائلات، وتُدمّر البيوت، ويُقتل الناس، فيما يبقى الممنوع الوحيد هو المسّ بالسلاح؟ عندها يصبح السؤال مشروعًا، بل واجبًا وطنيًا: هل صار الجنوب نفسه هو الثمن المدفوع كي لا يُسلَّم السلاح؟

 

منذ آذار ٢٠٢٦، لم يعد الجنوب مجرد جبهة. صار امتحانًا وجوديًا للمعادلة كلها. الجنوب، الذي قُدِّم طويلًا بوصفه خط الدفاع الأول، وجد نفسه مرة جديدة في قلب النار: قرى مدمّرة، أراضٍ محروقة، اقتصاد محلي منهار، آلاف المهجّرين، وكلفة بشرية تجاوزت حدود الأرقام لتتحول إلى جرح وطني مفتوح. وهنا تظهر المفارقة الأخطر: حين يصبح الحفاظ على السلاح أولوية تتقدّم على الحفاظ على الأرض والناس، تنقلب المعادلة من مشروع حماية إلى مشروع استنزاف. بدل أن يكون السلاح وسيلة لحماية الجنوب، بدا الجنوب نفسه وكأنه يُدفع ليكون الثمن المطلوب كي لا يُمسّ السلاح.

المعادلة التي حكمت المشهد لسنوات قامت على فرضية واضحة: بقاء السلاح يعني ردع إسرائيل. لكن ما كشفته الوقائع أن الردع، حين يفشل في منع التهجير والدمار وفقدان السيطرة، يتحوّل من عنصر قوة إلى عبء استراتيجي. وعندما تصبح النتيجة أرضًا مهددة، قرى مفرغة، ومدنيين يُدفعون إلى النزوح، فهل ما زال السلاح يحمي الجنوب، أم أن الجنوب بات يُستخدم لحماية بقاء السلاح؟

هنا تسقط الشعارات أمام حسابات الواقع. لأن النتيجة على الأرض لا تُقاس بالخطب، بل بالوقائع. وإذا كانت المعادلة باتت واضحة إلى هذا الحد، إمّا تسليم السلاح ضمن مشروع دولة تستعيد قرارها وحدودها كاملة، وإمّا استمرار الاحتلال أو التدمير بما قد يفتح الباب أمام اقتطاع فعلي لجزء من الجنوب تحت عنوان الأمر الواقع، فكيف يمكن لمن يقود هذا المسار ألّا يرى ما يراه الجميع؟ وإذا كان يراه ويصرّ رغم ذلك، يصبح السؤال أكثر قسوة: هل هو عجز عن قراءة الواقع؟ أم مكابرة؟ أم أن الجنوب نفسه بات ورقة تُدفع في معركة أكبر من حسابات الأرض؟

والأخطر أن هذا الواقع لم يعد نظريًا أو قابلًا للتأويل. فالمشهد الميداني نفسه يشير إلى تغيّر فعلي في خرائط السيطرة جنوبًا، حيث باتت أجزاء من الأرض اللبنانية خارج السيطرة الكاملة، ضمن وقائع ميدانية مفروضة، بين مناطق انسحاب غير مكتمل وخطوط تماس جديدة تُعرف بالخط الأزرق وتطوراته، إلى جانب واقع ميداني غير مستقر في مناطق أخرى تُصنّف ضمن ما يُشار إليه أحيانًا بالخط الأصفر أو مناطق النفوذ المتداخل. بمعنى آخر، لم يعد الحديث عن تهديد فقط، بل عن إعادة تشكيل جزئي للسيطرة على الأرض نفسها، بما يفرض أمرًا واقعًا على السيادة اللبنانية في بعض النقاط الحدودية.

كيف يمكن تفسير هذا الواقع في ظل وجود سلاح يفترض أنه وُجد أصلًا لمنع هذا النوع من الانكشاف؟ إذا كانت النتيجة هي تراجع السيطرة الفعلية على الأرض، وفرض وقائع جديدة على الحدود، فكيف تُقاس فعالية الردع؟ وأي معنى يبقى لمعادلة القوة إذا كانت الأرض نفسها تتحرك خارج منطق السيطرة الكاملة للدولة أو القوة التي ترفع شعار حمايتها؟

هذا السؤال لا يأتي من هامش النقاش، لأنه يمسّ جوهر الوطنية. فلا أحد يملك حق وضع ١٠٬٤٥٢ كيلومترًا مربعًا من الوطن في ميزان، ثم يقرّر أن جزءًا منه يمكن أن يُحرق أو يُحتل أو يُدمّر كي يبقى جزء آخر من المعادلة قائمًا. لبنان ليس فقط جغرافيا، والجنوب ليس هامشًا تفاوضيًا. لا أحد يملك حق تقديم قطعة من لبنان، بشكل مباشر أو غير مباشر، قربانًا لأي مشروع مهما كانت شعاراته.

أن الإصرار على السلاح، رغم تبدّل الظروف الإقليمية والداخلية، لم يعد يبدو لكثيرين كخيار قوة، بل كحساب خاسر يتأخر فقط في الاعتراف بخسارته. البيئة تغيّرت، موازين القوى تغيّرت، ولبنان نفسه ينهار تحت أثمان لم يعد قادرًا على تحمّلها. التمسك بالمعادلة القديمة يشبه الإصرار على حل مسألة بأرقام خاطئة، ثم تجاهل أن النتيجة كارثية.

الواقع القاسي أن كثيرين باتوا يدركون أن المسألة لم تعد تُحسم بمنطق “إذا”، بل بمنطق “متى وكيف وبأي ثمن إضافي”. لأن استمرار الرهان على الصمود بالشكل نفسه، فيما الجنوب يُستنزف، لا يعني سوى خسارة أكبر قبل الوصول إلى النتيجة نفسها.

الأخطر من الجنوب وحده، هو ما بدأ يربطه كثير من اللبنانيين بمسار أوسع من الخسائر السيادية. فحين يشعر قسم من الناس أن ملف الثروات البحرية أو ترسيم الحدود أو التنازلات السابقة دخلت في تسويات مجحفة، يصبح الخوف أكبر: هل نحن أمام نمط متكرر؟ هل ما اعتُبر تسليمًا في البحر يتحوّل اليوم إلى نسخة أخطر على البر؟

هنا تصبح المسألة أكثر من مجرد سوء تقدير. تصبح خوفًا من مسار استنزاف تدريجي، مرة في الثروة، مرة في الاقتصاد، مرة في الاستقرار، ومرة في الحدود. وهذا لا يعني إثبات نية مسبقة، لكنه يفسّر لماذا يُطرح السؤال أصلًا.

من هنا يبدأ الشك: هل نحن أمام قوة لا تقرأ السياسة أصلًا، لأنها وُجدت بعقلية عسكرية أكثر مما وُجدت بعقلية دولة؟ وهل أثبتت التجربة، بكل ما حملته من انهيارات وخسائر، أن منطق القوة وحده لا يبني وطنًا ولا يدير دولة، بل قد يقود بلدًا كاملًا إلى الخراب حين تُختزل السياسة بعقلية السلاح، فيما الأوطان لا تُحكم بالجبهات… بل تُصان بحكمة الدولة؟

لبنان اليوم أمام خيار لا يحتمل المواربة: إمّا دولة تستعيد وحدها القرار العسكري والسيادي وتحمي كامل أراضيها وثرواتها، وإمّا البقاء أسرى معادلة أثبتت أن كلفتها تتجاوز قدرة البلد على الاحتمال.

التاريخ لا يرحم من يضيّع الأرض وهو يتذرع أنه يحميها… ولا يرحم من قُدِّم الجنوب قربانًا لبقاء السلاح…

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment