تحقيق موسّع في الدور الخفي والعلني لعرّاب الدبلوماسية الجديدة - ماركو روبيو
اعداد جورج ديب
منذ أن كلّف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزير الخارجية ماركو روبيو بالإشراف المباشر على الملف اللبناني، بدأ مسار جديد في مقاربة واشنطن تجاه لبنان، مسار أعاد هذا البلد إلى طاولة القرار الأميركي بعد سنوات من التراجع. هذا التحوّل لم يكن خطوة بروتوكولية، بل جاء نتيجة قراءة أميركية لمخاطر توسّع المواجهة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، ولحاجة الإدارة إلى شخصية قادرة على إدارة ملف شديد التعقيد.
وفق مصادر دبلوماسية في واشنطن، وقع الاختيار على روبيو بسبب خبرته في ملفات الشرق الأوسط خلال عمله في الكونغرس، وقدرته على التواصل مع أطراف متباعدة سياسياً، إضافة إلى مقاربته البراغماتية التي تجمع بين الضغط السياسي والاعتبارات الإنسانية. ومنذ اليوم الأول، طلب روبيو إعادة تنظيم فريق العمل الخاص بلبنان، ورفع وتيرة التقارير الأمنية والإنسانية الواردة من بيروت، ما عكس رغبة واضحة في التعامل مع الملف بجدية غير مسبوقة.
التحوّل الأبرز ظهر بعد زيارة السفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى إلى واشنطن، حيث قدّم تقارير ميدانية حول الوضع في الجنوب وتأثير الأزمة الاقتصادية على السكان. هذه الزيارة، بحسب مصادر مطلعة، دفعت روبيو إلى إعادة فتح الملف على مستوى مجلس الأمن القومي، وإصدار توجيهات بضرورة التعامل مع لبنان كأولوية. وبدأت الخارجية الأميركية سلسلة خطوات عملية شملت فتح قنوات اتصال مباشرة مع الجيش اللبناني، وتنسيقاً مستمراً مع باريس والرياض والقاهرة، ودراسة خيارات وقف إطلاق النار عبر مفاوضات غير مباشرة، مع إدخال البعد الإنساني في كل نقاشات الملف.
وكذلك ادت سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض دوراً محورياً في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين بيروت والإدارة الأميركية خلال المرحلة التي تولّى فيها ماركو روبيو الإشراف على الملف اللبناني. فقد عملت السفيرة على نقل صورة دقيقة عن الواقع اللبناني، مركّزة على الأبعاد الإنسانية والاقتصادية للأزمة، ومتابعة الاتصالات مع وزارة الخارجية الأميركية وفريق روبيو بشكل يومي. وبحسب مصادر دبلوماسية، ساهمت معوّض في توفير معطيات ميدانية عززت فهم واشنطن للتحديات التي يواجهها لبنان، ما جعلها أحد العناصر الأساسية في صياغة المقاربة الأميركية الجديدة تجاه بيروت.
على خط الاتصالات المباشرة، أجرى روبيو سلسلة محادثات مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، ركّزت على منع توسّع المواجهة وتثبيت دور الجيش اللبناني وحماية المدنيين والبنى التحتية. مصادر لبنانية مطلعة تشير إلى أن رسائل روبيو كانت واضحة في مضمونها:
استقرار لبنان ضرورة دولية، وليس شأناً محلياً فقط. وفي موازاة ذلك، تعمل واشنطن على مسار تفاوضي غير مباشر يهدف إلى منع التصعيد بين إسرائيل و"حزب الله"، يشمل ترتيبات أمنية جديدة على الحدود وتحييد المناطق المدنية ودعم دور الجيش اللبناني. إلا أن مصادر دبلوماسية تؤكد أن تشابك الملف اللبناني مع الحسابات الإقليمية، خصوصاً العلاقة بين طهران و"حزب الله"، يجعل التقدم بطيئاً ويزيد من تعقيد مهمة روبيو.
ورغم الطابع الأمني للملف، حرص روبيو على إدخال البعد الإنساني في كل اجتماعاته، طالباً تقارير مفصلة حول أوضاع النازحين من الجنوب، وتضرر المدارس والمستشفيات، وانقطاع الخدمات الأساسية، وتأثير الأزمة الاقتصادية على العائلات. مصادر في الخارجية الأميركية تؤكد أن هذا التوجه يهدف إلى إظهار أن واشنطن تتعامل مع لبنان كبلد يعيش أزمة مركّبة، وليس فقط كملف أمني.
في تقييم الدور، يصف دبلوماسيون أميركيون تحركات روبيو بأنها الأكثر نشاطاً في الملف اللبناني منذ سنوات، معتبرين أنها محاولة لإعادة واشنطن إلى موقع الوسيط الفعّال. أما في بيروت، فيرى مسؤولون لبنانيون أن روبيو أعاد فتح خطوط التواصل وأعطى الملف اللبناني أولوية غير مسبوقة، ويعمل على منع الحرب أكثر مما يعمل على إدارة نتائجها. وتُظهر المعطيات أن المرحلة المقبلة ستتوقف على ثلاثة عوامل أساسية:
مدى استعداد الأطراف الإقليمية للتهدئة، قدرة واشنطن على الضغط لوقف التصعيد، وإمكانية بناء تفاهمات دولية حول مستقبل الحدود الجنوبية. وتشير مصادر أميركية إلى أن روبيو يعمل على خريطة طريق تمتد لستة أشهر تشمل وقف إطلاق نار قابل للتمديد، ترتيبات أمنية جديدة، دعم اقتصادي وإنساني عاجل للبنان، وإطلاق مسار سياسي أوسع.
بهذه المقاربة، يبدو أن ماركو روبيو أصبح أحد أبرز صانعي القرار في الملف اللبناني داخل الإدارة الأميركية، جامعاً بين الدبلوماسية النشطة والضغط السياسي والبعد الإنساني، في محاولة لمنع انزلاق لبنان نحو مواجهة مفتوحة، ولبناء مسار تفاوضي يعيد شيئاً من الاستقرار إلى بلد يعيش واحدة من أصعب مراحله.













04/29/2026 - 21:51 PM





Comments