بركات شاهين
لم تعد سورية تملك ترف الوقت. فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق حقيقية نحو دولة منتجة حديثة، أو أن تكون مجرد هدنة قصيرة تسبق الأزمات .
لا شيء يدمّر النسيج الاجتماعي والاقتصادي بقدر الاصطفاف الطائفي والجغرافي، وتجاهل الكفاءات أو وضعها في غير مواقعها. فعندما تُقصى الخبرة ويُستبدل بها الولاء، تتحوّل الدولة إلى هيكل هشّ، عاجز عن الإنتاج والاستمرار.
لقد همّش حكم الأسد البرجوازية الوطنية، واستبدلها بأوليغارشية مرتبطة بالسلطة، عمل على تنميتها بطريقته الخاصة؛ إذ غذّى مافيا القطاع العام، وجعل منها بديلًا مشوّهًا، ما أدى إلى تدمير النسيج الصناعي وتفكيك أوصاله.
ونتيجة لهذه السياسات، أُضعف القطاع العام—الذي كان يشكّل نحو 72% من الصناعة الوطنية—ونشأت طبقة فاسدة، كمبرادورية طفيلية بلا جذور وطنية، راكمت ثرواتها عبر تعيين إدارات موالية، غالبًا من خارج بيئات الخبرة، وانخرطت في ممارسات مدمّرة: استيراد آلات مستعملة، توريد مواد أولية مغشوشة، وبيع المنتجات بأقل من تكلفتها. وكانت الحصيلة تراجع دور القطاع العام إلى أقل من 19% في السنوات الأخيرة.
يتطلع السوريون إلى استعادة مرحلة ازدهار نسبي في خمسينيات القرن الماضي، حين لعبت البرجوازية الوطنية دورًا محوريًا، وامتلكت سورية قاعدة إنتاجية واعدة وقدرة تنافسية معتبرة.
وبعد عقود من المعاناة، يأمل السوريون ألّا تتكرر تجربة الإدارة القائمة على الولاء، كما في عهد آل الأسد، بل أن تقوم الدولة على الكفاءة والجدارة. فهذا الشعب يستحق—بعد أكثر من نصف قرن من الأزمات—حكومة تحظى بإجماع واسع، وتستند إلى الخبرة لا المحسوبيات.
ومن واجبنا—كجيل يمتلك خبرات متراكمة—تقييم أداء أي حكومة، خصوصًا عند ظهور مؤشرات اختلال، مثل بطء الاستثمار، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع سعر الصرف، وضعف الكفاءة في الإدارة العامة تحت ذرائع أمنية. فالاستقرار الاقتصادي ليس ترفًا، بل شرط أساسي للنمو والاستقرار. ورغم وجود بوادر إيجابية لدى بعض المستثمرين، لكن “واحة أزهار لا تصنع ربيعًا”.
إن بناء دولة جديدة على أنقاض بنية منهكة، دون إصلاح جذري، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل،
لذا، لا بد من البدء بالإنسان: بالكفاءة وبناء إدارات فاعلة، تتولى إعادة هيكلة الدولة وفق رؤية واضحة تقوم على ثلاثة مستويات:
* البيئة الخارجية: إعادة صياغة علاقات سورية الدولية على أساس المصالح المتبادلة والانفتاح المدروس.
* البيئة المحيطة: إصلاح القطاعات الاقتصادية والخدمية، و تحسين آداء القطاع المالي و المصرفي و تعزيز استقلال القضاء، تطوير التعليم العالي والبحث العلمي وربطهما بسوق العمل.
* البيئة الداخلية: إصلاح المؤسسات العامة، تمكين الشركات، وتفعيل غرف التجارة والصناعة بما يعيد الحيوية لقطاع الأعمال.
سورية اليوم لا تواجه فقط تحدي إعادة الإعمار، بل اختبارًا تاريخيًا لإعادة تعريف ذاتها: إما دولة حديثة قائمة على الكفاءة والعدالة والإنتاج، أو عودة إلى دوامة الفشل بأدوات جديدة. وسورية، التي نهضت من تحت الركام، قادرة على النهوض مجددًا—لكن ذلك يتطلب عقلًا جديدًا، وإدارة حديثة، وعقدًا وطنيًا يضع الإنسان السوري في قلب المعادلة.













04/29/2026 - 13:06 PM





Comments