هوية المكوّن الدرزي في لبنان وسوريا… عبور على مرّ الواقع

04/29/2026 - 08:35 AM

Atlantic home care

 

طريقي ......

 

عدنان القاقون

كثرت المواقف والتحليلات ذات الصلة بالمكوّن التوحيدي الدرزي، السابح في فضاء التناقضات الطائفية والمذهبية والعرقية في المنطقة، حتى إن البعض لامس في نواياه حدود السعي لطمس الهوية التوحيدية لطائفة الموحّدين الدروز، لغاية في نفس "عثمان" لا يعقوب، كما يقول المثل الشعبي.

لا شك أن المكوّن التوحيدي الدرزي، المنتشر بشكل خاص بين لبنان وسوريا والأردن وإسرائيل، يعاني كغيره من المكوّنات من "تسونامي" التلاطم الأيديولوجي والثقافي والعقائدي الذي يجتاح الشرق الأوسط. ومن غير المفيد هنا على الإطلاق المزايدة في إطلاق الشعارات التي كانت، في مرحلة ما، إكسير الحياة لأحزاب وكيانات سياسية ملأت خزائنها بقدر ما ملأت الأثير حماسة خطابية. وفي تقديري، خيرًا فعل أسطورة الحرب والسياسة لدروز لبنان، وليد جنبلاط، بانقلابه على تاريخ جمال عبد الناصر خلال لقائه مع الزميل أحمد منصور على قناة الجزيرة، وإن كان البعض يطرح في انقلاب جنبلاط علامات استفهام حول أمرين:
الأول، ما إذا كان هذا الموقف يشوّه تاريخ كمال جنبلاط وهوية تحالف الدم الناصري-الجنبلاطي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

والثاني، أن هذا الموقف يتزامن مع علاقة تتوطد يومًا بعد يوم بين زعيم المختارة والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، الذي خرج من عباءة تنظيم القاعدة، وقدم إلى عاصمة الأمويين على بساط التوافق الأميركي – التركي، ويتحرك نفوذًا على التراب السوري وفقًا لإحداثيات الأمن الإسرائيلي.

في مقال في الزميلة "الشرق الأوسط"، تحت عنوان "لبنان… الهوية الدستورية والأثقال الحزبية"، يقول الكاتب السياسي المخضرم فؤاد مطر: "إن لبنان لا تستقر أطيافه السياسية وأحزابه الثلاثة والأربعون حتى الآن، كون ظاهرة التفريخ الحزبي نشطة، وحسب موازين القوى الخارجية". ويضيف أن لبنان بلد طوائفي، "ولكل طائفة نظرة إلى الهوية الدستورية للوطن، ولكل حزب أو حركة أو تنظيم في لبنان وجهة نظر في تلك الهوية".

لبنان اليوم يعاني تشتتًا في "الهوية الدستورية"، وهو الأمر الذي تتسلل من خلاله مشاريع الانقلاب على الهوية التوحيدية لطائفة الموحّدين الدروز، وعرضها في بازار الشرق الأوسط الجديد المفتوح على شتى التحالفات. ومن هنا جاءت الوثيقة التاريخية للمكوّن التوحيدي في شتى أصقاع الأرض، على لسان المرجع الروحي الشيخ أبو يوسف أمين الصايغ، في التاسع عشر من أبريل 2026، بقوله: "لا تراهنوا على تشتيتنا، الهوية عندنا ليست ورقة تفاوض بل قدر محتوم... مصلحتكم السياسية تبدأ من احترام هذا الاستقلال الوجداني للموحّدين... الهوية ثابتة والسياسة متغيرة".

المكوّن التوحيدي في لبنان وسوريا، على سبيل المثال، يعاني من تشتت الهوية الدستورية في حاضنتهما الوطنية. في لبنان، أدى إضعاف الدولة إلى قيام "دويلات الطوائف"، وأصبحت مصالح المكوّنات اللبنانية كافة أسيرة "الستر" والأمان الاجتماعي الذي توفره منظومة دويلات الطوائف.
أما في سوريا، فغابت دولة المؤسسات، وحلّت سياسة "البطش الأسدي" التي هيمنت على مفاصل الاجتهاد الفكري قبل الاستقلالي. وبعد سقوط النظام الأسدي، أطلّ الرئيس أحمد الشرع في السادس من ديسمبر 2024 ليعد السوريين بالعدالة الاجتماعية، لكنه اصطدم بأولوية الأمن، ودشّن انطلاقته الدستورية بإعلان دستوري ينص على أن الفقه الإسلامي وليس الشريعة الإسلامية هو المصدر الرئيسي للتشريع. فمن يحمي هوية الأقليات من فقه ابن تيمية، على سبيل المثال؟

"تسونامي" التحولات الكبرى في الشرق الأوسط أفرز ثلاث أقليات في لبنان، ويهدد الهوية الوجودية لها، وهم الدروز والمسيحيون والشيعة، والأقلية الأولى هي الوحيدة غير المحصّنة عقائديًا بمراجع خارج الحدود، ومن هنا تكمن أهمية الوثيقة التاريخية الصادرة عن المرجع الروحي الشيخ أمين الصايغ.

في سوريا، وضع الأقليات ومستقبلها أكثر قتامة، مهما ارتفع موج التفاؤل الإعلامي. وما حدث من مجازر ممنهجة بحق أبناء جبل العرب على أيدي "جيش الفصائل" وضع المكوّن التوحيدي أمام ثلاثة خيارات: طمس الهوية التوحيدية ظاهريًا على الأقل، كما حدث في جبل السماق أو الموت نحرًا، أو القفز نحو الحماية الإقليمية بحثًا عن الأمان الوجودي للهوية.

على مرّ التاريخ، لم يتبنَّ المكوّن التوحيدي نزعة الانفصال أينما حلّ واستوطن، ولكن، وبسبب القدر السياسي للمنطقة، لم ينعموا يومًا بدولة "وطن عادل". فكانوا إن هُمّشوا طورًا واستُغلّوا أطوارًا أخرى، وفي كل المراحل تشبثوا بالعدالة وحق العيش الكريم… وثبات الهوية التوحيدية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment