فِي زَمَنٍ يَعْلُو فِيهِ الصَّوْتُ حَتَّى يَكَادُ يَبْتَلِعَ المَعْنَى، يَبْدُو لُبْنَانُ كَأَنَّهُ يُقَالُ أَكْثَرَ مِمَّا يُعَاشُ.
الكَلِمَاتُ هُنَا كَثِيرَةٌ… إِلَى حَدٍّ أَنَّهَا تُخْفِي مَا يُفْتَرَضُ أَنْ تُظْهِرَهُ.
لَيْسَ الصَّمْتُ هُوَ الغَائِبَ، بَلِ الإِصْغَاءُ.
وَلَيْسَ الصَّوْتُ هُوَ المَفْقُودَ، بَلْ صِدْقُهُ.
ثَمَّةَ ضَجِيجٌ يُشْبِهُ الامْتِلَاءَ، لَكِنَّهُ فِي عُمْقِهِ فَرَاغٌ يَتَرَدَّدُ.
يَتَكَاثَرُ عَلَى الشَّاشَاتِ، وَيَتَرَدَّدُ فِي الخِطَابَاتِ، وَيُعِيدُ نَفْسَهُ حَتَّى يَفْقِدَ نَفْسَهُ.
فِي نَشْرَاتٍ تَعِدُ كُلَّ مَسَاءٍ بِحَلٍّ لَا يَأْتِي، وَفِي وُجُوهٍ تَتَبَدَّلُ دُونَ أَنْ يَتَبَدَّلَ شَيْءٌ.
كُلُّ شَيْءٍ يُقَالُ… إِلَّا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ.
فِي مَكَانٍ آخَرَ، بَعِيدًا عَنْ هَذَا العُلُوِّ المُصْطَنَعِ، يَعِيشُ صَوْتٌ آخَرُ.
لَا يُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَسْعَى لأَنْ يُسْمَعَ، لَكِنَّهُ يَتْرُكُ أَثَرَهُ فِي مَنْ يَمُرُّ بِهِ.
فِي أُمٍّ تُخَبِّئُ قَلَقَهَا بَيْنَ تَفَاصِيلِ يَوْمِهَا.
فِي أَبٍ يُسَاوِمُ خَوْفَهُ بِالصَّبْرِ.
فِي شَابٍّ يَخْتَصِرُ حُلْمَهُ كَيْ يَتَّسِعَ لَهُ الوَاقِعُ.
وَفِي ذَاكِرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَا كَانَ، لَا حَنِينًا، بَلْ بَحْثًا عَمَّا يُشْبِهُهَا.
ذَلِكَ هُوَ صَوْتُ لُبْنَانَ… حِينَ لَا يَتَكَلَّمُ بِاسْمِهِ أَحَدٌ.
صَوْتٌ لَا يَرْتَفِعُ، لأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ المُبَالَغَةَ، وَلَا يَصْرُخُ لأَنَّ الصُّرَاخَ لَا يُشْبِهُهُ.
هُوَ صَوْتٌ يُعَاشُ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَالُ، وَيُحَسُّ أَكْثَرَ مِمَّا يُسْمَعُ.
وَمِنْ عُمْقِ هَذَا العَيْشِ الصَّامِتِ، لَا يَعُودُ اليَوْمِيُّ يَوْمِيًّا فَقَطْ، بَلْ يُصْبِحُ عَلامَةً عَلَى مَعْنًى يَتَجَاوَزُ ظَاهِرَهُ.
لَكِنَّ مَا يُقَالُ بِاسْمِ هَذَا الصَّوْتِ لَا يُشْبِهُهُ؛
يُسْتَعَارُ لَهُ لِسَانٌ غَرِيبٌ، وَيُحَمَّلُ مَا لَا يَقُولُ، حَتَّى يَغْدُو حُضُورُهُ غِيَابًا آخَرَ.
فِي هَذَا التَّبَاعُدِ، لَا يَضِيعُ الصَّوْتُ لأَنَّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ لأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي لُعْبَةِ العُلُوِّ.
يَبْقَى هُنَاكَ… حَيْثُ لَا تَصِلُ المَنَابِرُ، وَحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ المَعْنَى إِلَى ضَجِيجٍ لِيَكُونَ.
لُبْنَانُ لَيْسَ مَا يُقَالُ عَنْهُ، بَلْ مَا يَبْقَى مِنْهُ حِينَ يَسْكُتُ الكَلَامُ.
بَلْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ:
هُوَ رِسَالَةٌ لَا تَمُوتُ، وَحُضُورٌ يَتَجَاوَزُ حُدُودَهُ، وَدَوْرٌ فِي حَاجَةِ العَالَمِ إِلَى مَعْنًى لَا يُصْنَعُ بِالصَّوْتِ وَحْدَهُ.
وَلِذَلِكَ، رُبَّمَا كَانَتْ أَرْضُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا مَسْرَحًا لِلاهْتِزَازَاتِ وَالتَّجَارِبِ القَاسِيَةِ؛
لَكِنَّهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، تَعُودُ لِتَنْهَضَ، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ الانْكِسَارَ لَيْسَ نِهَايَةَ المَعْنَى.
كطَائِرٍ لَا يَمُوتُ فِي رَمَادِهِ، بَلْ يَعْبُرُهُ.
كَفِينِيقٍ يَخْرُجُ مِنْ احْتِرَاقِهِ أَكْثَرَ وُضُوحًا لَا أَكْثَرَ ادِّعَاءً.
وَلأَنَّ لُبْنَانَ يُشْبِهُ قِدِّيسِيهِ، فَإِنَّ فِي تَارِيخِهِ مَعْنًى آخَرَ لِلْمَوْتِ:
مَوْتٌ لَيْسَ فَنَاءً، بَلْ شَهَادَةٌ.
وَحَيَاةٌ لَيْسَتْ اسْتِمْرَارًا فَقَطْ، بَلْ قِيَامَةٌ.
هَكَذَا لَا يَصِيرُ الأَلَمُ فِيهِ عَبَثًا، بَلْ طَرِيقًا لِكَشْفِ مَا لَا يُقَالُ.
وَلَا يَصِيرُ الصِّرَاعُ نِهَايَةً، بَلْ اخْتِبَارًا لِمَعْنًى أَعْمَقَ مِنَ الظَّاهِرِ.
وَحِينَ يَسْتَعِيدُ المَعْنَى مَكَانَهُ، قَدْ لَا نَسْمَعُ صَوْتًا أَعْلَى…
لَكِنَّنَا، لِلْمَرَّةِ الأُولَى، سَنَفْهَمُ.
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ – بِقَلَمِ الإبْنٍ ضَالٍّ… إِذَا تَابَ.













04/29/2026 - 07:47 AM





Comments