التحوّل الخفي في طهران: لماذا يقترب الحرس الثوري من عقيدة الردع النووي؟

04/28/2026 - 11:56 AM

A

 

 

كشف انهيار مفاوضات إسلام آباد عن تحوّل ٍعميق داخل طهران، وعن نتبلور منطق استراتيجي أكثر صرامة.

 

بقلم: شربل عبد الله أنطون

وُصف انهيار مفاوضات إسلام آباد بين أميركا وإيران على نطاق واسع بأنه جولة دبلوماسية فاشلة أخرى؛ غير أن ما كشفه الانهيار كان أكثر أهمية وتأثيراً: تحوّلٌ جوهري في كيفية تفسير القيادة الإيرانية الجديدة لمفاهيم الأمن والضغط ودور القدرات النووية في ضمان بقاء النظام.

الحرب التي اندلعت في نهاية شهر شباط الماضي وأدت إلى مقتل آية الله علي خامنئي سرّعت انتقالًا قيادياً كان يتشكل منذ سنوات. ورغم أن صعود مجتبى خامنئي حافظ على استمرارية شكلية للمؤسسة الدينية، فإن السلطة الفعلية انتقلت نحو الحرس الثوري الإسلامي، الذي بات يهيمن الآن على مؤسسات رسم السياسة الخارجية والأمن الداخلي والتموضع الإقليمي لإيران.

يصف محللون أميركيون هذا الوضع بأنه ترسيخ لدولة أمنية مُعسكرة، دولة تستمد شرعيتها من الهياكل الدينية، بينما يحدد الحرس الثوري التوجه الاستراتيجي لها.

وفيما بات غياب مجتبى خامنئي الطويل عن الأنظار العامة يمثل إشكالية متزايدة بحد ذاتها، لا سيما وأنه لا يحمل الرتبة الدينية الرفيعة المرتبطة تقليدياً بمنصب "المرشد الأعلى". فمجتبى ليس "آية الله"، شأنه شأن والده الراحل أو آية الله الخميني؛ وإن هذا الافتقار إلى المؤهلات الدينية الرسمية يُعقّد من وضعه، ويمنح الحرس الثوري الإسلامي نوعاً من اليد العليا عليه.

هذا التحول الداخلي انعكس مباشرة في نتائج مفاوضات إسلام آباد، التي انهارت بسبب خلافات حول القيود النووية، وآليات التحقق، ورفع العقوبات، والضمانات الأمنية. لم يتمكن أي طرف من تجاوز خطوطه الحمراء، ما عزز قناعة طهران أن الدبلوماسية التقليدية عاجزة عن تحقيق رفع للعقوبات بشكل موثوق، أو حماية النظام من الضغوط الخارجية.

تُعيد تلك القناعة رسم الحسابات النووية لإيران. فالحرب كشفت هشاشة القيادة الإيرانية أمام الضربات الدقيقة، بينما أظهرت المفاوضات أن أي انفراج مع واشنطن مشروط بتنازلات تعتبرها طهران تهديداً وجودياً لها. لذلك، تتصاعد أصوات داخل النظام ترى أن امتلاك قدرة ردع نووية — وربما سلاحاً فعلياً — هي الضمانة الوحيدة للبقاء، على غرار نموذج كوريا الشمالية القائم على مبدأ تحمل العقوبات، فيما يتكفل "الدرع النووي" بردع أي إكراه خارجي.

لا دليل علنياً على قرار إيراني ببناء قنبلة نووية، لكن الحوافز لتعزيز "الردع الكامن" أو (التحوّط النووي) تتزايد. ويزداد اقتناع القادة العسكريين بأن ما يحمي الدولة هو الردع النووي لا الشرعية الدينية. وجنرالات الحرس يعتقدون أن ما يصونهم ويحمي مصالحهم هو الردع النووي وليس المرشد الأعلى. رغم معرفة أولئك الجنرالات التكلفة الاستراتيجية للسعي نحو امتلاك النووي، فطهران أكثر انكشافاً جيوسياسياً من كوريا الشمالية.

لطالما منحت عقيدة إيران الاستراتيجية الكبرى الأولوية للردع القائم على فرض التكاليف — عبر الصواريخ، والميليشيات التابعة لإيران، والنفوذ البحري — بدلاً من التسوية الدبلوماسية. وفي هذا الإطار، يندمج البعد النووي بسلاسة تامة في نهج الدولة، إذ يوفر حماية قصوى دون اشتراط تحقيق التكافؤ في القوات التقليدية.

كما عزز فشل مفاوضات إسلام آباد الاعتقاد بأن رفع العقوبات لن يتحقق عبر التفاوض وحده. وبالنسبة للقيادة الجديدة، المشكلة ليست في الدبلوماسية بحد ذاتها، بل في عدم فعاليتها إن افتقرت إلى أوراق الضغط. وفي ظل هذه البيئة، لم يعُد يُنظر إلى امتلاك القدرة النووية باعتبارها ورقة للمساومة، وإنما كضرورة هيكلية لضمان أمن النظام

والنتيجة: دولة إيرانية أكثر تصلباً وانغلاقاً، وقيادة أكثر تشككاً في التفاوض وأكثر اقتناعاً بأن الردع الذاتي هو الضامن الوحيد للمستقبل. ورغم احتفاظ واشنطن بأوراق ضغط مهمة، فإن هامش الدبلوماسية يضيق.

لم يكن فشل مفاوضات إسلام آباد مجرد تعثر تفاوضي، بل إشارة إلى تحول عميق في منطق النظام الإيراني؛ أساس البقاء هو الردع النووي لا التسوية.

 

·       نُشر هذا المقال لأول مرة في موقع " الكلمة أونلاين

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment