جمال دملج *
في ظاهر المشهد السياسي الإسرائيلي، يبدو أن إعلان تحالف بين اثنين من أبرز خصوم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يمثّل بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم موازين القوى الداخلية.
غير أن القراءة الأعمق تكشف مفارقة لافتة: التغيير في الأشخاص لا يعني بالضرورة تغييرًا في السياسات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعقيدة الأمنية لإسرائيل.
تحالف انتخابي… لا ثورة استراتيجية
إعلان التحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد—تحت عنوان "معًا"—يهدف أساسًا إلى إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو الأكثر يمينية في تاريخ البلاد.
لكن اللافت أن هذا التحالف، رغم طابعه السياسي الداخلي، لا يحمل حتى الآن أي مؤشرات على تحوّل جذري في السياسة الخارجية أو الأمنية. فالخلاف مع نتنياهو يبدو، في جوهره، خلافًا على الإدارة لا على الاتجاه.
إيران: إجماع القوة… واختلاف ما بعدها
في الملف الإيراني، يتقاطع الثلاثة—نتنياهو، بينيت، لابيد—عند نقطة أساسية: دعم الخيار العسكري. فقد أيّد كل من بينيت ولابيد الهجوم المشترك مع الولايات المتحدة على إيران، في تعبير واضح عن إجماع سياسي وشعبي داخل إسرائيل على اعتبار طهران تهديدًا وجوديًا.
لكن الاختلاف يظهر بعد استخدام القوة: فنتنياهو يقدّم الحرب بوصفها إنجازًا، فيما ينتقده خصومه لعدم تحقيق أهدافها الكبرى. ومع ذلك، فإن هذا النقد لا يصل إلى حد الدعوة لتغيير الاستراتيجية، بل يظل ضمن إطار تحسين الأداء.
لبنان: وقف إطلاق النار كهدنة مؤقتة
في الساحة اللبنانية، لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرًا.
يدعم كل من بينيت ولابيد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله، ويعبّران عن شكوك عميقة تجاه أي وقف لإطلاق النار لا ينهي التهديد بشكل نهائي. بل إن خطابهما يقترب أحيانًا من خطاب نتنياهو نفسه، في اعتبار أن أي تهدئة هي مجرد استراحة بين جولتين من الصراع، لا تسوية مستدامة. وهذا يعكس قناعة راسخة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية بأن الجبهة الشمالية ستبقى مفتوحة، بغض النظر عن هوية الحكومة.
غزة: خلاف على النتائج… لا على الأهداف
في ما يتعلق بقطاع غزة، ينتقد بينيت ولابيد أداء نتنياهو، معتبرين أنه فشل في "القضاء الكامل" على حركة حماس.
لكن هذا النقد لا يعني رفض الحرب أو التشكيك في أهدافها، بل يعكس مزايدة على الحسم العسكري أكثر مما يعكس مراجعة له.
بمعنى آخر، الخلاف هنا ليس حول جدوى الحرب، بل حول مدى فعاليتها.
الدولة الفلسطينية: الإجماع الصامت
أما في ملف الدولة الفلسطينية، فالصورة أكثر وضوحًا. رغم بعض الفروقات الخطابية—خصوصًا لدى لابيد—إلا أن الواقع السياسي الإسرائيلي يشير إلى شبه إجماع على رفض إقامة دولة فلسطينية في الظروف الحالية.
بنيامين نتنياهو يعارضها صراحة، نفتالي بينيت يرفضها بشدة، ويائير لابيد لا يطرحها كأولوية عملية.
وهذا يعني أن أي تغيير حكومي محتمل لن يترجم إلى تغيير فعلي في هذا الملف.
لماذا لا يتغيّر شيء؟
السبب لا يكمن فقط في طبيعة القادة، بل في بنية النظام السياسي والأمني الإسرائيلي. فهناك ثوابت تحكم القرار الإسرائيلي، أبرزها: أولوية الأمن على السياسة، الاعتماد على القوة العسكرية كأداة أساسية، وغياب ضغط داخلي كافٍ لفرض تسويات كبرى.
ضمن هذه المعادلة، يصبح تغيير الوجوه أقل أهمية من ثبات القواعد.
الانعكاس على لبنان والمنطقة
بالنسبة للبنان، يحمل هذا الواقع دلالات مهمة. فأي رهان على تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية نتيجة تبدّل الحكومة قد يكون مبالغًا فيه. بل إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تعامل الدول العربية—ولبنان تحديدًا—مع ثبات السلوك الإسرائيلي، لا مع تغيّره.
وهنا، يتقاطع هذا المشهد مع مسار التفاوض اللبناني–الإسرائيلي الجاري، الذي لا ينبغي أن يُبنى على أوهام تغيير الطرف الآخر، بل على إدارة واقعية للتوازنات القائمة.
وخلاصة القول هنا: إن تحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد قد ينجح في إزاحة بنيامين نتنياهو من السلطة، لكنه—على الأرجح—لن ينجح في إحداث تحوّل جوهري في سياسات إسرائيل الإقليمية.
ففي إسرائيل، قد تتغيّر الحكومات... لكن العقيدة الأمنية تبقى. وهذا، في حد ذاته، هو التحدّي الأكبر أمام المنطقة.
*إعلامي وكاتب لبناني













04/27/2026 - 14:03 PM





Comments