ربى الياس شلهوب ابو فاضل
شابٌ في ربيع العمر سمع نداءً يقول له: «اترك كلّ شيء واتبعني». لم يدرك من أين أتى ذلك الصوت، لكنّه شعر أنه صوتٌ حنون يحبّه ويحتضنه، وكأنّه مستعدّ أن يبيع الدنيا وما فيها ليبقى صاحبه بخير.
لبّى النداء وترك بيته وأرضه وعاف أهله ورحل. كان يعلم أنّ رحلته هذه تحمل من الشقاء ما يكفي، لم يحمل معه سوى بعض الذكريات الجميلة لم تكن كثيرة، لكنها كانت كافية لتكون زوّادته في دروب الغياب، حين يباغته جوع الحنين في ساحات القتال.
كان الصوت بالنسبة إليه صوت وطنٍ يستنجد به ليقف في وجه الطغيان.
لم تكن رحلته وبُعده عن بيته وأهله طويلة، إذ عاد… لكن مرغماً لا مخيّراً، عاد هذه المرّة حاملاً بندقية بين يديه، وممدّداً على الأكفّ، معطّراً بدمه، يتأمل السماء بصفائها، ويسترجع ما مرّ به كأنّه شريط حياةٍ سريع.
كان مرتبكاً من فاجعة اللقاء، وهو الذي طالما تلهّف للقاء من يحب، كيف سيلتقي أمّه؟ ماذا سيقول لها؟ وأخته وأخاه وأباه وجيرانه، وسلمى حبيبته السمراء النقية التي كان يخشى عليها من وقع الفاجعة؟
وصل إلى حدود بيته، فوجد الشوارع المحيطة مزينة بشرائط بيضاء، كأنها تستقبل عريساً منتظراً، اقترب أكثر، فتعالت الزغاريد ممزوجة بآهات اللوعة وحرقة القلب، لا يطفئها سيل الدموع.
دخل البيت… وساد الصمت. لا يدري ما يقول، ولا لمن يقول.
دموع أمّه أخجلته، كان يتمنى لو يستطيع أن يمسحها عن وجهها، تلك الدموع التي غسلت صدره حين ارتمت عليه وكأنها تريد أن تسمع صوت روحه، وأخته أمسكت بيديه تقبّلهما بصمت، وأبوه جلس عند قدميه يستعيد طفولته وأيامه الأولى بحرقة.
جال بعينيه يبحث عن سلمى فوجدها تجلس في زاوية البيت تتأمّله بصمت تجول بعينيها على جسده الممدّد. لكن هذه المرّة كان الحزن يلفّ وجنتيها.
ساد صمتٌ مطبق، إلى أن أتت ساعة رحيله الأبدي عن كل من أحبّ، عندها انكسر الصمت بالعويل والأهازيج والرايات وحبّات الأرز والورود.
وفي تلك اللحظة، كان يودّ لو أنه استطاع أن يحتضنهم جميعاً ويخفّف عنهم الحزن، ثم خاطبهم بصوتٍ كأنه غناء طير مهاجر:
«نعم، رحلتُ عنكم جسداً، لكنني باقٍ بروحي بينكم. أنا الشهيد… أنا العريس من دون عروس… أنا من ترك كل شيء وتبع وطنه».













04/27/2026 - 13:27 PM





Comments