أحد أخطر الأخطاء وأعظمها في تحليل السياسة الدولية: تصديق ما يقوله السياسيون وزعماء الدول

04/27/2026 - 13:10 PM

Bt adv

 

 

 

بقلم معتز فخرالدين

في السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب التعامل مع التصريحات السياسية بوصفها مؤشراً مباشراً على النيات أو السياسات الفعلية. ففي كل أزمة دولية، يتجه المحللون ووسائل الإعلام إلى تصريحات القادة بحثاً عن إجابات، ثم تُبنى التوقعات على أساس ما قاله الرئيس أو هدّد به أو وعد به. غير أن هذا المدخل التحليلي نفسه أصبح مضللاً في عصر لم يعد فيه الخطاب مرآة للسياسة، بل جزءاً من مسرح إدارة الإدراك.

لهذا يميل بعض الباحثين إلى اعتماد مقاربة منهجية تقوم على تثبيت المتغير الخطابي، أي التعامل مع التصريحات بوصفها عامل تشويش شبه ثابت يتم عزله نسبياً عند بناء السيناريوهات، لصالح التركيز على ما هو أكثر صلابة وقابلية للقياس: تحركات المؤسسات، القرارات التنفيذية، والوقائع على الأرض.

من مرآة إلى أداة: تحوّل وظيفة الخطاب

قبل ثلاثة عقود، كان الخطاب الرسمي يعكس في الغالب قراراً متخذاً بالفعل. أما اليوم، ومع تسارع الإعلام ودورات الانتخابات ومنطق المنافسة السياسية الدائمة، أصبح الخطاب يؤدي وظائف متعددة ومتعارضة أحياناً:

يخاطب جمهوراً داخلياً لتعزيز الشرعية.

يرسل إشارات تفاوضية للخصوم والحلفاء.

يدير توقعات الأسواق والرأي العام.

يتفاعل مع لحظات إعلامية آنية.

لم يعد الخطاب موجهاً للخارج فقط، بل أصبح أداة داخلية لإدارة الرأي العام والانتخابات. لذلك فإن التضخيم أو التهديد أو التراجع في النبرة لا يعكس بالضرورة تغييراً في القرار، بل تغييراً في الجمهور المستهدف. والنتيجة أن التصريحات أصبحت تعكس الحاجة إلى الظهور بمظهر معيّن أكثر مما تعكس النية الفعلية للتنفيذ.

فجوة الزمن: سرعة القول وبطء القرار

هناك أيضاً عدم توازن زمني بين الخطاب والمؤسسات. فبينما يمكن للقائد تغيير نبرة الخطاب خلال ساعات، تعمل المؤسسات العسكرية والبيروقراطية وفق إجراءات معقّدة وبطيئة. هذه الفجوة الزمنية تخلق مسافة طبيعية بين سرعة القول وبطء الفعل، وتُنتج ما يبدو للمراقب تناقضاً أو تذبذباً في السياسة.

الفجوة بين ثلاثة مستويات

لفهم السلوك الدولي بدقة، لا بد من التمييز بين ثلاثة مستويات:

مستوى الخطاب: ما يُقال علناً ويخضع لضغوط الأداء السياسي والإعلامي.

المستوى المؤسسي: ما يُقرَّر داخل المؤسسات والبيروقراطيات حيث تُفلتر التصريحات وتُقيَّد.

مستوى التنفيذ: ما يحدث فعلياً على الأرض.

عدم التمييز بين هذه المستويات يفسّر لماذا فشلت توقعات كثيرة عن “حروب وشيكة” بُنيت على تصريحات سياسية فقط.

دونالد ترامب: دراسة حالة للفجوة بين القول والفعل

يصعب العثور على مثال أوضح من تجربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي مثّل ظاهرة خطابية غير مسبوقة في السياسة الدولية. اتسمت تصريحاته بكثافة واندفاع وتناقضات متكررة:

هدّد بتدمير كوريا الشمالية ثم التقى زعيمها.

انسحب من الاتفاق النووي مع إيران ثم تجنب حرباً مباشرة رغم التصعيد.

صعّد ضد الصين تجارياً ثم عاد إلى تفاوض مطوّل.

لكن الأهم أن هذا التناقض لم يكن فوضوياً بالكامل. فقد تحوّل الخطاب لدى ترامب إلى أداة تفاوضية لرفع سقف المطالب قبل الدخول في المساومة. التهديد العلني كان يخلق ضغطاً نفسياً وإعلامياً على الخصوم، بينما كانت المؤسسات الأميركية تعمل بالتوازي على ضبط الإيقاع وتجنب الانزلاق إلى حرب غير مرغوبة.

بهذا المعنى، كان الخطاب جزءاً من عملية التفاوض نفسها، لا إعلاناً لقرار نهائي. ولهذا بدت السياسة الأميركية أحياناً متقلبة في الإعلام، لكنها ظلت أكثر استمرارية داخل المؤسسات.

ليس الولايات المتحدة فقط: اختبار النموذج عالمياً

تظهر الظاهرة بدرجات مختلفة حول العالم:

في روسيا: تقلّصت الفجوة مع تزايد مركزية القرار.

في إيران: يبقى الخطاب الثوري غالباً أكثر تشدداً من الحسابات المؤسسية.

في تركيا: يتصاعد الخطاب انتخابياً ويهدأ بعد الاستحقاقات.

الخلاصة: كلما ضعفت المؤسسات، اقترب الخطاب من الفعل.

متى يكون الخطاب مرآة فعلاً؟

لا يمكن القول إن الخطاب لم يعد يعكس السياسة مطلقاً. توجد حالات يكون فيها مطابقاً للفعل:

بعد اتخاذ القرار وتنفيذه.

في الأنظمة شديدة المركزية.

عندما يكون موجهاً لحلفاء في سياق عملياتي مباشر.

عندما تنهار الفجوة: الحرب كاختبار معاكس

إذا كانت سنوات من التهديدات غير المنفذة قد درّبت المحللين على عدم تصديق الخطاب، فإن الحروب المفاجئة تقدّم الدرس المعاكس: الفجوة بين القول والفعل يمكن أن تنهار فجأة.

عندما تتقاطع ثلاثة شروط — تقييم استخباري بوجود خطر وشيك، غياب قيود مؤسسية كافية، وتوقيت سياسي مناسب — يمكن أن تتحول سنوات من الخطاب التصعيدي إلى قرار فعلي خلال أيام. وهنا يكمن فخ الاعتياد على الفجوة: عندما يتكرر مشهد “تهديد كبير دون متابعة”، يصبح المحلل مقتنعاً بأن الفجوة هي القاعدة. لكن المؤسسات العسكرية قد تكون في الوقت نفسه تُعد خططاً حقيقية بانتظار لحظة التنفيذ.

العبرة: لا “لا تصدّق” ولا “صدّق دائماً”، بل راقب متى تتقاطع القدرات والمؤسسات الجاهزة والتوقيت السياسي. عندها فقط يصبح الخطاب نذيراً، لا ضجيجاً.

أداة عملية للقارئ

قبل بناء أي توقع اعتماداً على تصريح سياسي، اسأل:

من الجمهور المستهدف بالتصريح؟

هل توجد قيود مؤسسية تعرقل التنفيذ؟

ما هو نمط الفجوة التاريخي لدى هذا القائد؟

خاتمة: لا تصدّق… ولا تتجاهل

نحن نعيش في زمن الخطاب الأكثر ضجيجاً في التاريخ، لكن ذلك لا يعني أن السياسات أصبحت أكثر تقلباً بالضرورة. أخطر خطأ تحليلي اليوم ليس سوء فهم ما تفعله الدول فقط، بل سوء فهم ما تقوله، ولماذا تقوله، ومتى يمكن أن يتحول القول إلى فعل.

فالسياسة تُصنع في الغرف المغلقة، لا على المنصات.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment