الاعلامية سيلفانا سمعان
لا يعود لبنان اليوم قابلاً للفهم بالكامل ضمن إطار أزمات الحكم التقليدية أو الاختلال الإداري. ما يتقدم إلى الواجهة هو سؤال أكثر بنيوية: كيف تعمل الدولة حين لا تعود هي الجهة الوحيدة التي تنتج القرار داخل حدودها؟ هذا التحول ينقل النقاش من مستوى تعثر المؤسسات إلى مستوى تعدد مراكز إنتاج القرار، حيث لم تعد الدولة إطاراً احتكارياً للسيادة، بل فضاءً تتقاطع داخله سلطات رسمية وغير رسمية تشارك فعلياً في صياغة المخرجات السياسية والأمنية والاقتصادية.
في الحالة اللبنانية، لا يمكن فصل البنية الدستورية عن موازين القوة الفعلية. الدستور يحدد الشكل، لكن القرار يتشكل داخل شبكة أوسع من الفاعلين. بعضهم داخل المؤسسات، وبعضهم خارجها لكن داخل الدولة فعلياً. هنا لا يعود السؤال ما إذا كانت الدولة موجودة، بل من يملك القدرة على القرار، وفي أي لحظة يتم الحسم.
هذا التحول يعيد تعريف السيادة نفسها. فهي ليست حالة مطلقة، بل درجة من احتكار وظائف الدولة الأساسية: الأمن، القرار السياسي النهائي، وإدارة الموارد الحيوية. وفق هذا المنظور، لا تُقاس السيادة بوجودها أو غيابها، بل بمستوى احتكارها أو توزيعها. الدولة تكون أكثر سيادة كلما احتكرت القرار، وأقل سيادة كلما تشاركته مع فاعلين آخرين.
تدريجياً ، تشكل هذا النمط ضمن مسار تاريخي مرتبط بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية منذ عام ١٩٧٩، مع صعود الدور الإقليمي لإيران وتوسع حضور الحرس الثوري الإيراني في ساحات عدة، بينها لبنان. في هذا السياق، نشأ حزب الله ضمن بيئة لبنانية اتسمت بهشاشة في مركز الدولة، قبل أن يتطور إلى فاعل سياسي وعسكري واجتماعي داخلي، مرتبط استراتيجياً بإيران ضمن شبكة إقليمية أوسع.
مع الوقت، لم يعد دوره محصوراً في البعد العسكري. توسعت بنيته إلى مجالات اجتماعية وخدمية وتعليمية وصحية. كما نشأت حوله شبكات دعم وتمويل تعمل خارج النظام المالي الرسمي. هذا التطور لم يخلق فقط نفوذاً سياسياً، بل أسس لأنماط اعتماد اجتماعي في بعض البيئات، حيث تصبح العلاقة مع هذا الفاعل جزءاً من الحياة اليومية، وليس فقط من الاختيار السياسي.
تعمق هذا المسار بعد عام ٢٠١٩، مع دخول لبنان في أزمة مالية حادة وتفكك النظام المصرفي وتراجع قدرة الدولة على تقديم خدماتها الأساسية. لم ينتج عن ذلك فراغ كامل، بل إعادة توزيع للوظائف داخل النظام القائم. بعض المهام التي كانت حكراً على الدولة انتقلت أو تقاسمتها بنى قائمة مسبقاً، ما عزز طابع الدولة المركبة أو غير المكتملة الاحتكار.
على المستوى الأمني والسياسي، يظهر هذا التعدد بشكل أوضح. منذ حرب تموز ٢٠٠٦، لم يعد قرار الحرب والسلم محصوراً بالكامل داخل المؤسسات الرسمية. بل أصبح نتيجة تفاعل بين طبقات متعددة: مؤسسات الدولة، قوى سياسية داخل النظام، فاعلين مسلحين أو شبه مسلحين، وفي مقدمتهم حزب الله، إضافة إلى تأثيرات إقليمية متصلة بإيران والحرس الثوري الإيراني. القرار هنا لا يُنتج في مركز واحد، بل عبر تقاطع هذه المستويات.
من منظور القانون الدولي التقليدي، يُعرّف الاحتلال بسيطرة قوة خارجية مباشرة على إقليم دولة أخرى واستبدال سلطتها. ووفق هذا التعريف، لا ينطبق النموذج حرفياً على الحالة اللبنانية. غير أن بعض القراءات ترى أن ما يظهر هو شكل مختلف من التداخل، حيث لا تُستبدل الدولة، بل تتوزع بعض وظائفها السيادية بين مؤسسات رسمية وفاعلين داخليين يمتلكون استقلالية تشغيلية نسبية، ضمن بيئة إقليمية مترابطة.
ضمن بيئة إقليمية مترابطة. وفي ضوء هذا التداخل بين مستويات السلطة داخل الدولة وخارجها، هل ما تزال المفاهيم التقليدية مثل الاحتلال كافية لتوصيف طبيعة هذا النوع من السيطرة، أم أن الحالة تفرض إعادة تعريف العلاقة بين السيادة وأشكال النفوذ غير المباشر؟
في الداخل السياسي، يترافق هذا الواقع مع خطاب متبادل حول الارتباطات الخارجية. لكن الإشكال لا يكمن في وجود علاقات خارجية بحد ذاتها، بل في موقع هذه العلاقات داخل بنية القرار الداخلي، ومدى تأثيرها على تعريف الدولة ووظائفها.
في المقابل، تطرح قراءة أخرى أن فهم الحالة اللبنانية لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل العوامل الداخلية مع ديناميكيات إقليمية ممتدة. غير أن هذه المقاربة تبقى إطاراً تفسيرياً مفتوحاً، لا يقدم إجابة نهائية حول آلية إنتاج القرار داخل الدولة.
ضمن هذا السياق، لا يعود الإشكال محصوراً في علاقة الدولة بفاعلين داخليين، بل يتقدم إلى مستوى بنيوي يتعلق بطبيعة السيادة نفسها، وما إذا كانت ما تزال تُمارس كمركز واحد، أم كوظيفة موزعة داخل شبكة قرار متعددة المستويات.
لا يمكن اختزال الحالة اللبنانية في أزمة حكم تقليدية. ما يظهر هو نموذج دولة ذات سيادة غير مكتملة، حيث لم يعد احتكار القرار محصوراً داخل المؤسسات الرسمية، بل أصبح موزعاً بين الدولة وفاعلين داخليين يمتلكون قدرة فعلية على التأثير، ضمن سياق إقليمي أوسع تتداخل فيه عناصر داخلية وخارجية، وفي مقدمتها العلاقة مع إيران والحرس الثوري الإيراني.
وعليه، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى يمكن مقاربة إعادة بناء الدولة كمسار داخلي صرف، في ظل بنية تتشكل فيها عناصر القرار ضمن تداخل داخلي وإقليمي ممتد يعيد تعريف حدود السيادة نفسها؟ أم أن المطلوب هو إعادة النظر في البنية التي أنتجت هذا التداخل أصلًا، أياً كانت مصادره؟













04/27/2026 - 12:55 PM





Comments