السلام المفروض… حين تتجاهل الطروحات الأمريكية حقيقة لبنان

04/27/2026 - 03:19 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

 رشيد ج. مينا

التصريحات والخطب والبيانات التي تصدر عن الإدارة الأمريكية والمسؤولين فيها، بما فيهم رأس هذه الإدارة، حول لبنان والشعب اللبناني، ورعاية المفاوضات وتحقيق “السلام” بين لبنان وإسرائيل، والتفريق بين لبنان وحزب الله والجيش اللبناني والمقاومة التي تُوصَف بذراع إيران في لبنان، تجعلنا نتوقف أمامها لنتساءل:

هل بعد كل الذي جرى ويجري في لبنان، وما يتعرض له، لا تملك الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها إسرائيل، قراءة حقيقية ومعرفة تامة بتركيبة لبنان؟

فالتجارب مع لبنان ليست جديدة، لا أمريكيًا من حلف بغداد إلى تجربة المارينز، ولا إسرائيليًا من اتفاقية الهدنة إلى يومنا هذا، مرورًا بكل الاجتياحات والحروب والاعتداءات المستمرة. فأي دروس استُخلصت؟ وأي فهم تكوّن؟

إن لبنان يتشكل من مكونات متعددة، وتركيبته تقوم على توازنات دقيقة لا تحتمل أي اختلال. ولا يمكن محاصرة أو عزل أو تجاهل أي من هذه المكونات. غير أن لبنان، منذ تأسيسه، لم يتمكن من بناء دولة المواطنة، فغلبت الطائفية والمذهبية على مفهوم الدولة، ما جعله أرضًا خصبة للاستثمار في الصراعات، ولتبادل الرسائل السياسية — وأحيانًا الدموية — في النزاعات الإقليمية.

ومن هنا، فإن أي محاولة لفرض واقع فوقي باسم “السلام”، أو تحت أي مسمى، هي محاولة محكومة بالفشل. كما أن إعادة طرح مشاريع كالفدرالية، من قبل البعض، ليست إلا استعادة لأجواء حروب عبثية ظن اللبنانيون أنهم تجاوزوها.

إن التسويق الأمريكي للسلام، والاندفاع الإسرائيلي، لا يمكن إلا أن يقودا إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وربما الحروب، بما يُبقي لبنان ساحة صراع تتبدل عليها الأطراف وموازين القوى، من دون تمكينه من استعادة وحدته وسيادته وقراره.

وفي هذا الإطار، تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها الراعي الأبرز وصاحب التأثير الأكبر ، مسؤولية خاصة تجاه لبنان، بما يمكنه من الاستنهاض واستعادة القرار. فإن أردت أن تُطاع فاطلب المستطاع:

فلبنان لا يحتمل الخروج عن الإجماع العربي، ولا يمكنه الذهاب أبعد من تطبيق اتفاقية الهدنة لعام 1949 والقرار 1701.

إن الأولوية يجب أن تكون واضحة: وقف العدوان، الانسحاب، تحرير الأسرى، ومن ثم تثبيت الاستقرار.

أما في الداخل، فإن تطبيق اتفاق الطائف يبقى المدخل الأساسي لتحقيق التوازن في السلطات، وبداية التغيير في الواقع نحو تطوير صيغة النظام، وبناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة.

ويوازي ذلك دعم الجيش اللبناني، وترسيخ حصرية السلاح بيد الدولة، وكفّ يد الخارج عن التدخل في شؤونه.

كما أن تعزيز الحضور العربي الكامل، لا سيما من المملكة العربية السعودية وسوريا، يشكل عنصرًا أساسيًا في ترسيخ عروبة لبنان وانتمائه ودوره، وفي تحصين وحدته الوطنية، إلى جانب تفعيل آليات التعاون والتنسيق والدعم في مختلف المجالات، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.

إن لبنان لا يُدار بالتصنيفات الخارجية، ولا يُعاد بناؤه عبر مشاريع مفروضة من الخارج، بل بإرادة داخلية جامعة، وبدعم عربي صادق يضع استقراره وسيادته في الأولوية. وأي مسار لا ينطلق من هذه الحقيقة، لن يكون إلا امتدادًا للأزمات، لا مدخلًا للحلول.

فلبنان لا يُصنع بالضغوط… بل يُبنى بالتوازن والدولة.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment