حين يصبح الفشل نظام حكم

04/26/2026 - 07:50 AM

Atlantic home care

 

 

سيلفانا سمعان

في لبنان، لم يعد الفشل حدثًا استثنائيًا يستدعي المعالجة، بل تحوّل تدريجيًا إلى بنية قائمة بذاتها، تُدار وتُعاد إنتاجها يوميًا. منذ الأزمة المالية اللبنانية، لم يتعامل اللبنانيون مع الانهيار بوصفه خللًا يجب إصلاحه، بل كواقع يجب احتواؤه، ثم كإطار دائم للحياة. هكذا، ومن دون إعلان رسمي، تبدّل المنطق الحاكم: لم يعد السؤال كيف نخرج من الأزمة، بل كيف نعيش داخلها بأقل خسائر ممكنة.

هذا التحوّل لا يقتصر على السلوك، بل يطال طريقة التفكير نفسها. لا يمكن حلّ مشكلة من مستوى التفكير نفسه الذي أنتجها. ومع ذلك، يبدو أن ما يحدث في لبنان هو تثبيت للأزمة عبر الذهنية ذاتها التي ساهمت في تكوينها. لا محاولة لكسر الإطار، بل تحسين شروط العيش داخله.

لكن هذا المنطق لم يبقَ محصورًا في الاقتصاد. بعد تداعيات حرب غزة، ومع التصعيد المضبوط بين حزب الله وإسرائيل، دخل لبنان في نموذج موازٍ: إدارة الخطر بدل إنهائه. الهدنة الحالية لا تعكس حلًا بقدر ما تعكس آلية ضبط، حيث يتم تقنين التوتر بدل تفكيكه. يصبح العنف المحتمل جزءًا من المعادلة اليومية، كما أصبحت الخسارة الاقتصادية جزءًا من الروتين.

في الحالتين، نحن أمام المنطق نفسه: ليس هناك سعي فعلي لإنهاء الأزمة، بل لإبقائها ضمن حدود يمكن احتمالها. وهذا ليس أمرًا تقنيًا عابرًا، بل تحوّل عميق في طريقة التفكير. حين يُستبدل الحل بالإدارة، تُستبدل السياسة بالتكيّف، ويُستبدل القرار بالاحتواء.

الأخطر من ذلك أن هذا النموذج لا يُفرض فقط من فوق، بل يُعاد إنتاجه من الداخل. المجتمع نفسه يبدأ، تدريجيًا، بالتكيّف معه إلى حدّ تبنّيه. ما كان يُعتبر يومًا فشلًا، العيش بلا بنية تحتية، بلا نظام مالي، تحت تهديد دائم، يُعاد تقديمه اليوم كدليل على المرونة. هنا تحديدًا، يحصل الانزلاق الأخطر: حين يفقد الفشل تعريفه كفشل، ويتحوّل إلى علامة على القدرة.

هذا التحوّل يذكّر بمفهوم العنف الرمزي لدى بيير بورديو، حيث لا تُفرض البُنى فقط بالقوة، بل عبر قبولها الداخلي. حين يقتنع المجتمع، ولو ضمنيًا، بأن هذا الواقع هو أقصى ما يمكن تحقيقه، يصبح أي طموح لتغييره نوعًا من المبالغة، لا ضرورة. وهنا، لا تعود الأزمة مفروضة فقط، بل مُبرَّرة.

هذه ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل إعادة صياغة لمفهوم النجاح. النجاح لم يعد مرتبطًا بتحقيق الاستقرار أو بناء نظام فعّال، بل بالقدرة على النجاة ضمن الفوضى. وهذا التحوّل يخلق مفارقة خطيرة: كلما أصبح المجتمع أكثر قدرة على التكيّف، تراجعت الحاجة إلى التغيير. لأن التغيير، بطبيعته، يحمل مخاطرة، بينما التكيّف، حتى لو كان مع واقع مختل، يقدّم وهم الأمان.

ومن هنا يمكن استحضار ملاحظة حنة أرندت حول تطبيع غير الطبيعي، حيث يصبح ما كان صادمًا في البداية مألوفًا مع الوقت. في الحالة اللبنانية، لم يعد الانهيار يثير الدهشة، بل أصبح جزءًا من الإيقاع اليومي. هذا التكيّف لا يخفّف الأزمة، بل يرسّخها.

من هنا، يمكن فهم ما جرى بعد احتجاجات 17 تشرين الأول 2019. تلك اللحظة التي حملت إمكانية كسر المسار، انتهت إلى إعادة تثبيته بشكل أكثر مرونة. لم تختفِ الأزمة، بل تغيّر شكلها: من صدمة إلى حالة مستمرة. ومن مطلب تغيير جذري إلى إدارة يومية للخسارة.

الهدنة الحالية على الجبهة الجنوبية ليست استثناءً عن هذا النمط، بل امتداد له. فهي لا تمثّل خروجًا من دائرة الخطر، بل إعادة تنظيم لها. في هذا السياق، لا تُقاس النجاحات بإنهاء التوتر، بل بمنع انفجاره الكامل. وهذا بحد ذاته يعكس مستوى الانحدار في التوقعات: من البحث عن حل، إلى الاكتفاء بتأجيل الانفجار.

لبنان اليوم لا يعيش حالة فشل تقليدية، بل فشل مُستقر. نوع من التوازن السلبي حيث تستمر الأمور بالحد الأدنى المطلوب لمنع الانهيار الكامل، من دون أي أفق فعلي للخروج. هذا الاستقرار التشغيلي قد يبدو إنجازًا، لكنه في الواقع أخطر أشكال التعطيل، لأنه يقتل الحاجة الملحّة للتغيير.

لم تعد المسألة في قدرة لبنان على الصمود، فهو أثبت ذلك مرارًا، بل في ما إذا كان هذا الصمود قد تحوّل إلى آلية لتعطيل التحول. لأن المجتمعات التي تعتاد على التكيّف مع الأسوأ، تفقد تدريجيًا قدرتها على تخيّل الأفضل، ثم على المطالبة به.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليس في غياب الحلول، بل في تآكل الرغبة فيها. وكما يُقال في الأدبيات الفكرية، أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الفشل بحد ذاته، بل الاعتياد عليه. حين يصبح البقاء هو الهدف الأعلى، يتراجع كل ما عداه. وحين يتحوّل التحمّل إلى هوية، يصبح الخروج من الأزمة تهديدًا لهذه الهوية، لا خلاصًا منها.

لهذا، التحدّي في لبنان اليوم ليس سياسيًا أو اقتصاديًا فقط، بل وجودي. هل لا يزال هناك استعداد لإعادة تعريف النجاح خارج إطار النجاة؟ أم أن الفشل، بعد كل هذه السنوات، لم يعد حالة طارئة، بل أصبح ببساطة… ما نحن عليه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment