لبنان بين ذرائع الحرب وفرصة التسوية: نحو مقاربة استراتيجية للخروج من المأزق

04/25/2026 - 07:19 AM

Arab American Target

 

 

الكاتب السياسي فرنسوا الجردي

في لحظة إقليمية دقيقة تقترب فيها الحروب من نهاياتها، يقف لبنان مرة جديدة عند مفترق حاسم بين الاستنزاف المستمر وفرصة نادرة لإعادة بناء دوره ووظيفته كدولة. فالتوقيت ليس تفصيلاً، بل عنصرًا جوهريًا في صناعة الحلول. ومع انقضاء مرحلة المواجهات الكبرى في الإقليم، تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة، تتجاوز الحسابات الضيقة والرهانات التكتيكية، نحو رؤية استراتيجية متكاملة.

في الوقائع، تتكثف الأزمة اللبنانية حول معادلة مزدوجة من “الذرائع المتقابلة”:

إسرائيل تبرر اعتداءاتها تحت عنوان حماية شمالها من التهديدات الأمنية، فيما يبرر حزب الله احتفاظه بسلاحه تحت عنوان الدفاع عن لبنان في مواجهة “التغوّل الإسرائيلي”. وبين هاتين المقاربتين، يُختزل لبنان إلى ساحة صراع، لا إلى دولة ذات سيادة قادرة على فرض معادلاتها.

من هنا، يصبح واضحًا أن أي حل لا يمكن أن يُبنى على إجراءات تكتيكية ظرفية، غالبًا ما تُفرض من قوى دولية دون أن تحمل أفقًا استراتيجيًا مستدامًا. فهذه الحلول، وإن نجحت في تهدئة مرحلية، سرعان ما تعود لتتفكك عند أول اختبار جدي، لأنها لا تعالج جوهر الأزمة.

الحل الواقعي يتطلب الانتقال إلى مقاربة مختلفة جذريًا، تقوم على آلية واضحة ومفصلة، توازن بين الأمن الإقليمي والسيادة الوطنية. جوهر هذه المقاربة يتمثل في ربط ضمان أمن شمال إسرائيل بمسار تدريجي ومنظم لتسليم سلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية، عبر الجيش اللبناني، ضمن جدول زمني محدد وآلية “خطوة مقابل خطوة”.

هذه الآلية لا يمكن أن تنجح دون شبكة ضمانات دولية وإقليمية متوازنة، تطمئن جميع الأطراف المعنية. فإسرائيل تحتاج إلى ضمانة أمنية جدية، يمكن أن تؤمنها الولايات المتحدة. في المقابل، يحتاج حزب الله إلى مظلة اطمئنان سياسية واستراتيجية، قد تلعب فيها الصين دورًا مقبولًا في ظل توازناتها الدولية. أما لبنان، الدولة والشعب، فيحتاج إلى دعم مزدوج يعيد تثبيت استقراره السياسي والاقتصادي، وهو ما يمكن أن تضطلع به كل من فرنسا والمملكة العربية السعودية.

بهذا المعنى، لا تكون التسوية مجرد صفقة أمنية، بل إعادة تأسيس لدور الدولة اللبنانية، واستعادة لقرارها السيادي، ضمن توازنات دقيقة تراعي تعقيدات الداخل وتشابكات الخارج.

المسؤولية الأساسية تقع اليوم على عاتق السلطة التنفيذية اللبنانية، التي يفترض أن تخرج من موقع المتلقي إلى موقع المبادر. المطلوب ليس انتظار الحلول، بل صياغتها، وتحويل هذه الرؤية إلى خطة تنفيذية واضحة، تتضمن مراحل، جداول زمنية، وآليات رقابة وضمان.

لبنان لا يحتاج إلى هدنة جديدة بقدر ما يحتاج إلى تسوية دائمة. وبين استمرار لعبة الذرائع أو اغتنام فرصة التحول، يبقى الخيار سياسيًا بامتياز: إما دولة تستعيد قرارها، أو ساحة تبقى رهينة صراعات الآخرين.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment