تمديد وقف إطلاق النار في لبنان: هل تُسقِط بيروت "مسار واشنطن"؟

04/24/2026 - 23:43 PM

Prestige Jewelry

 

لماذا أصبحت الوساطة الأميركية الورقة الوحيدة المؤثرة، ولماذا لم يعد ممكناً تأجيل مسألة السيادة اللبنانية

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

إن وقف إطلاق النار الذي سُرِيَ مفعوله في 16 أبريل —والذي جرى تمديده الآن لثلاثة أسابيع إضافية عقب تدخل مباشر من الرئيس ترامب— لا يُعد سلاماً؛ بل هو مجرد تعليق مؤقت للأعمال العدائية، يظل معلقاً فوق هاوية من مخاطر التصعيد السريع. إذ قد تعيد هفوةٌ واحدة في التقدير المنطقةَ إلى أتون صراعٍ مدمّرٍ بالوكالة.

لكن هذا التمديد لوقف النار لم يكن نتيجة دبلوماسية روتينية، بل جاء بفعل ضغط مباشر من البيت الأبيض تجاوز الوسطاء التقليديين. وقد أعلن الرئيس ترامب قائلاً: "الاجتماع سار بشكل ممتاز! ستعمل الولايات المتحدة مع لبنان لمساعدته على حماية نفسه من حزب الله… وسيتم تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لثلاثة أسابيع". وبذلك فتحت نافذة الحلّ، وفرصة تأسيس مسار طويل الأمد، وهو "مسار واشنطن" للسلام بين لبنان وإسرائيل. مسارٌ مستقل وغير مرتبط بمفاوضات باكستان بين واشنطن وطهران. وهذا من مصلحة لبنان خاصة إن انهار مسار باكستان الهش.

لكن المخاطر أعمق من أي وقت مضى. فمن دون البدء بفرض سيادة لبنانية فعلية خلال هذه المهلة الضيقة، ستُغلق هذه الفرصة وتعود دورة العنف.

لماذا تختلف هذه اللحظة عن 2024

انهار وقف إطلاق النار الذي أُقر في تشرين الثاني 2024 تحت وطأة تناقضاته الذاتية؛ إذ ارتكز على قنوات غير مباشرة منحت "حزب الله" فعلياً حق النقض. كما كُلّفت اليونيفيل بآليات تنفيذ لم تستطع تطبيقها. واحتفظ "حزب الله" بسلاحه وبنيته التحتية. في حين أُنيطت بالجيش اللبناني مهام دون أن يُعطى القدرة الفعلية لتنفيذها. وأصبح القرار 1701 حبراً على ورق. وسرعان ما عاد كل شيء إلى المربّع الأول.

أما هدنة 2026 فتقوم على أسس أكثر واقعية: إشراف أميركي مباشر، واحتفاظ إسرائيل بمنطقة أمنية عازلة بعمق 10 كيلومترات، والآن تمديد لثلاثة أسابيع تم تثبيته على أعلى مستوى سياسي أميركي. إنها مساءلة مباشرة تتم بين القادة—وهو ما افتقرت إليه المحاولات السابقة.

يُمثّل "مسار واشنطن" أول محاولة جدّية لمعالجة مسألة من يسيطر فعلياً على القوة على الأرض في لبنان. والانتقال إلى مسار مستدام للتثبيت ترتيبات حدودية وأمنية مع إسرائيل وصولاً لسلام دائم معها إسرائيل عبر هذا المسار المستقل.

أزمة السيادة في لبنان لم تعد نظرية

لا تزال المشكلة البنيوية في لبنان على حالها: الدولة لا تملك قرار الحرب والسلم؛ إذ يدير "حزب الله" منظومته العسكرية والخارجية وموقفه الاستراتيجي بشكل مستقل، ويُعلن بشكل واضع تبعيته الكاملة للجمهورية الإسلامية في إيران تمويلاً وتسليحاً وعقيدةً. وقد أقرّ لبنان نفسه، في رسالة وجّهها إلى الأمم المتحدة بتاريخ 2 مارس/آذار الماضي، بأن قرار "حزب الله" الأحادي بالانخراط في الصراع الإقليمي "يتعارض مع المبدأ القاضي بأن قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى الدولة اللبنانية".

هذه ليست أزمة سياسية عادية، بل فراغ في السيادة اللبنانية؛ إذ إن وجود ميليشيا تمتلك ترسانة مستقلة تابعة لدولة أخرى يجعل أي وقف إطلاق نار مؤقتاً بطبيعته. ولا يمكن لأي ترتيب دبلوماسي ولا قرار دولي أن يعوّض عن هذا الخلل البنيوي. فالسيادة ليست هدفاً طموحاً، بل شرطاً مسبقاً لأي تسوية دائمة.والسيادة الكاملة هي الركيزة المفقودة في لبنان.

تحوّل واشنطن الاستراتيجي قائم—ولكن عليه أن يبقى منضبطاً

على مدى 17 شهراً، استهدفت الولايات المتحدة مسارات إعادة الإمداد الإيرانية من خلال ممارسة الضغط البحري، وعمليات الاعتراض، والاشتباك المباشر الذي يتجاوز الوسطاء التابعين لحزب الله. ويشير التمديد الأخير لوقف النار إلى أن هذا النهج يكتسب زخماً يؤدي إلى فتح مسار سلام برعاية البيت الأبيض.

لكنّ ما أخشاه هو أن تقوِّض الإجراءات الجزئية لحظة "مسار واشنطن". فأي رسائل أميركية متضاربة، واتفاقات جانبية مع جهاتٍ لا تزال تُسيطر على المؤسسات اللبنانية، أو التعامل مع السيادة كمتغيرٍ قابلٍ للتفاوض، كلّها تُكرّر إخفاقات الاتفاقيات السابقة. يجب أن تبقى السياسة الأميركية مُركّزة ومشروطة بـتعزيز الدولة اللبنانية، لا التكيّف مع موازين قوى موازية.

ثلاثة أسابيع ليست هدية، بل مهلة نهائية

لقد تم تمديد المهلة الأصلية البالغة عشرة أيام، غير أن الوقت ليس ترفاً؛ فما لم يُمنح الجيش اللبناني استقلالية عملياتية فورية —تشمل سلطة القيادة، والدعم اللوجستي، والانتشار، واتخاذ القرار بعيداً عن تدخل الميليشيات— فقد يتحول التمديد إلى مجرد فترة لإعادة التموضع، بدلاً من أن يكون فترة لتحقيق الاستقرار.

من ناحية أخرى، تتسارع وتيرة الضغوط الاقتصادية؛ إذ ستؤثر الاضطرابات في مضيق هرمز، وما يصاحبها من عدم استقرار أوسع نطاقاً في سلاسل التوريد، سلباً على جهود إعادة الإعمار في لبنان، وعلى الاقتصاد في شمال إسرائيل، وعلى الأسواق العالمية بحلول أواخر الصيف. إن أي وقف نار مؤقت لا يعالج أزمة السيادة لا يُعد تقدماً، بل تأجيل للازمة، والمسؤولية هنا على الدولة اللبنانية.

إطار قابل للحياة يتطلب سيادة فعلية

لتحويل هذه الفرصة إلى مسار دبلوماسي مستدام، يجب على الولايات المتحدة ولبنان الانتقال فوراً إلى إطار عمل قائم على السيادة ومستند إلى شروط قابلة للتنفيذ. العناصر واضحة، وقد طرحتها في مقال سابق: تنفيذ «خطة درع الوطن» لإنشاء بنية أمنية شاملة للحدود على طول الخط الأزرق ؛ تمكين الجيش اللبناني من خلال استقلالية تشغيلية حقيقية وكاملة — سلطة قيادة، ولوجستيات، وقرارات انتشار محصّنة تماماً من أي فيتو ميليشياوي؛ استخدام أدوات الضغط الاقتصادي بدقّة، بما في ذلك تصنيف الهياكل المالية المرتبطة بـ"حزب الله" ككيانات إجرامية محلية، وإجراء تدقيق صارم للمؤسسات غير الشفافة التابعة لهذا الحزب وغيره ؛ ربط كل دولار من مساعدات إعادة الإعمار بمعايير نزع سلاح تدريجية وقابلة للتحقق ، تتيح مخارج للمجتمعات المحلية وتعزّز سلطة الدولة؛ ومواصلة الضغط الدولي عبر عقوبات ثانوية على شبكات الشراء الدولية التابعة لـ"حزب الله".

هذه ليست طموحات. إنها الحدّ الأدنى لتحويل السيادة اللبنانية من شعار إلى واقع فعلي ملموس.

السيادة أم ساحة معركة دائمة؟

إن الدبلوماسية التي تفتقر إلى آليات التنفيذ ليست سلاماً؛ بل هي مجرد استراحة مؤقتة. والفرصة الحالية، والتي تعززت بفضل الانخراط المباشر من الرئيس الأميركي، وتمديد المهلة لثلاثة أسابيع—هي فرصة حقيقية، وإن كانت ضيقة للغاية، فهي قد تؤسس لمسار مستدام.

لبنان اليوم أمام خيار حاسم: إما استعادة سيادته وبسط سيطرته على أرضه، أو البقاء منصة لصراعات الآخرين. بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل واللبنانيين الباحثين عن الاستقرار، الطريق واضح.

السيادة هي المخرج الوحيد. والوقت بدأ ينفد.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment