بقلم د. سعيد محمد ابو رحمه
في خضم التصعيد الإقليمي والتجاذبات الدولية، تعود إيران إلى واجهة التحليل السياسي ليس فقط بوصفها طرفًا في صراع مفتوح، بل أيضًا كنظام معقّد تتداخل داخله الحسابات الاستراتيجية مع التباينات التكتيكية. وفي هذا السياق تتزايد الشائعات والتقارير حول الوضع الداخلي للنخبة الحاكمة، بما في ذلك ما أُثير بشأن الحالة الصحية لـ مجتبى خامنئي، وهي تقارير تؤكد أنه فقد إحدى ساقيه نتيجة استهداف مباشر. غير أن قراءة هذه المعطيات تتطلب فصل الوقائع عن التوظيف السياسي، والنظر إلى الصورة الأوسع داخل بنية النظام الإيراني.
فيصعب إنكار وجود تباينات داخل دوائر صنع القرار في إيران، إلا أن توصيف هذه التباينات بوصفها انقسامًا بالمعنى التقليدي قد يكون تبسيطًا مخلًا. فالمشهد الإيراني لم يعد قائمًا على ثنائية إصلاحيين مقابل محافظين كما في العقود الماضية، بل تحوّل إلى اختلافات داخل المعسكر ذاته، وتحديدًا حول كيفية إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد جولات التصعيد الأخيرة.
فعلى مستوى الخطوط الاستراتيجية الكبرى، يظهر قدر لافت من التوافق داخل النظام رفض الضغوط الأمريكية، خاصة تلك التي يُنظر إليها على أنها متماهية مع أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورفض التفاوض تحت الإكراه أو الحصار، إلى جانب التمسك بعناصر القوة الإقليمية والبرنامج النووي كركائز أساسية للأمن القومي.
فالنقاش الحقيقي يدور حول التكتيك: هل ينبغي لطهران الانخراط في مسارات تفاوض غير مباشرة، مثل القنوات التي تُدار عبر وسطاء إقليميين، كأداة لتخفيف الضغوط وإعادة ترتيب الأوراق؟ أم أن مثل هذه الخطوات قد تُفسَّر في واشنطن، خاصة لدى إدارة دونالد ترامب، باعتبارها مؤشر ضعف يستدعي تصعيدًا إضافيًا؟
هذا التباين التكتيكي لا يمر دون انعكاسات. فهو يظهر أحيانًا في بطء اتخاذ القرار، أو في تعدد الرسائل الصادرة عن طهران، أو حتى في تعطّل بعض المسارات التفاوضية في لحظات حساسة. وهنا تتقاطع العوامل السياسية مع الشخصية، إذ تكتسب الحالة الصحية لبعض الشخصيات المؤثرة أهمية مضاعفة، ليس فقط من حيث تأثيرها المباشر، بل أيضًا من حيث ما تثيره من تساؤلات حول توازنات القوة داخل النظام.
فلا ينبغي تفسير هذا التعدد في المواقف على أنه علامة ضعف بالضرورة. ففي كثير من الأحيان، يوظّف النظام الإيراني هذا التباين كأداة تفاوضية، تتيح له هامش مناورة أوسع. إذ يمكنه الإيحاء بوجود قيود داخلية تحدّ من قدرته على تقديم تنازلات، مما يعزز موقفه التفاوضي أمام الأطراف الأخرى. لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطرة كامنة: فكلما اتسعت الفجوة بين التقديرات المختلفة، تحوّل التنوع إلى حالة من الإرباك قد تضعف الثقة الدولية في جدية المسار التفاوضي.
على مستوى التأثير العملي ينعكس هذا الوضع في إطالة أمد المفاوضات وجعلها أكثر هشاشة. فبدلًا من التوجه نحو اتفاقات شاملة، تميل العملية إلى صيغ مرحلية أو تفاهمات محدودة، قابلة للتعديل أو الانهيار في أي لحظة. وهو نمط يعكس رغبة ضمنية في إدارة الوقت والضغوط، أكثر من السعي إلى حسمها بشكل نهائي.
في موازاة ذلك يشهد المشهد الداخلي الإيراني إعادة تشكيل تدريجية، خاصة بعد غياب عدد من قادة الصف الأول. ويبدو أن ميزان القوة يميل بشكل متزايد لصالح المؤسسات الأكثر صلابة، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والعسكرية، مما يقلّص من هامش المناورة أمام الأصوات المدنية أو البراغماتية.
تعيش إيران حالة انقسام تهدد وحدة النظام، تجعل قراراتها أكثر حذرًا وأبطأ في الحسم. ومن هنا يمكن فهم طبيعة التفاوض معها: مسار طويل، ومتقلب.
وبينما تستمر الشائعات في التداول، يبقى التحدي الحقيقي في قراءة ما وراءها: ليس فقط ما إذا كانت تعكس واقعًا داخليًا مضطربًا، بل كيف تُستخدم سواء من الداخل أو الخارج كجزء من معركة أوسع، تتجاوز حدود الإعلام إلى قلب الصراع الجيوسياسي في المنطقة.













04/23/2026 - 16:23 PM





Comments