7 / 10
رشيد ج. مينا
بعد صدمة اغتيال الأمين العام للتنظيم، وانكشاف الواقع التنظيمي المتهالك، عاد إلى مدينته التي أحبّها وعرفها حجرًا وبشرًا، ليجد نفسه أمام مفترق جديد. فقد غاب الرجل الذي مثّل له مرجعية فكرية وسياسية، وانفضّ من حوله من كان يُفترض أنهم رفاق الدرب.
لقراءة المقال السابق، يُرجى النقر على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/54422
لم يكن الأمر مجرد خسارة شخصية، بل ضربٌ لما تبقى من الحلم الذي كبر معه، وانعكاس فادح لمأزق التنظيمات والخيبات المتكررة التي عصفت بالتيارات الوطنية والقومية قبل وبعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت.
لكنّه، رغم الحزن، لم يستسلم. لم يعد شابًا يندفع بالعاطفة، بل أصبح رجلًا نضجت رؤيته، وتعمقت تجربته. وكان السؤال الذي يُطارده:
هل نستسلم للواقع أم نخلق واقعًا جديدًا؟
عاد إلى مدينته محمّلًا بالحزن والأسى، لكنه لم يفقد الإرادة. نعم، ضُرب الحلم، وقُتل الأمل، ولكن لا استسلام... لا بد من طريق.
من هنا أخذ يفكّر: الأمور ليست سهلة، بين الهمّ الشخصي، والعائلي، والتنظيمي. كيف يخاطب الإخوة في الشمال الذين ينتظرون عودته لمعرفة مصير التنظيم بعد ما جرى في بيروت؟ أدرك حينها الخطأ الكبير بقبوله مبدأ "التفرغ"، ليس هربًا من النضال، بل لأن التجربة أثبتت أن التفرغ قد يسلب الإنسان حريته، ويفقده جوهر القيم النضالية. فالحرية السياسية لا تكتمل دون حرية اقتصادية، والنضال هو تضحية لا وظيفة.
لحسن الحظ، كان لديه ما ورثه عن والده – ليس بالكثير، لكنه يكفي ليؤمّن اكتفاء ذاتيًا ولو متواضعًا. ولولا ذلك، لكان من الصعب عليه الاستمرار في العمل الوطني بحرية واستقلال. هذه التجربة غيّرت الكثير في وعيه، ورسّخت قناعة بأن النضال لا يُشترى ولا يُباع.
واصل نشاطه السياسي من خلال الهيئة الوطنية ولقاء الأحزاب، وجمع الإخوة في التنظيم لاجتماع صريح، وضع فيه الجميع أمام حقيقة ما جرى، وتباحث معهم فيما يمكن فعله. وتوصّلوا إلى قرار جماعي: الانسحاب من التنظيم، وتأسيس حركة شعبية جديدة تحمل القيم نفسها، لكن دون أثقال الماضي وتناقضاته.
أُطلقت الحركة الجديدة بهدوء، وأُعلن أنها لبنانية التنظيم، عربية الانتماء، ناصرية التوجّه، متمسكة بقضية فلسطين كقضية مركزية، ومؤمنة بالتحرر من التبعية والطائفية. ونجحت في تثبيت حضورها داخل الهيئة ولقاء الأحزاب، وبدأت تعاني سريعًا من السؤال المادي:
كيف نُموّل العمل؟ كيف نحمي استقلالنا؟ هل نعتمد على اشتراكات الأعضاء كما يجب، أم نبحث عن موارد أخرى؟.
خلال أشهر، جرت لقاءات مع قيادات لحركة قومية بارزة لديها نفس التوجهات الفكرية، وكانت قد خاضت معارك بطولية في بيروت الي جانب القوى المشتركة إبّان الاجتياح، لكنها ضعفت لاحقًا بسبب نفي القيادة وتفكك الهياكل.
جرى اتفاق على اندماج الحركة، من منطلق الايمان بضرورة توحيد الجهود والاطر التنظيمية في زمن التفتيت، وتولّى مسؤولية فرع المدينة. أعاد التفاعل مع الرفاق والناشطين، وعاد النشاط إلى المقرّ شبه المهمل، وأُقيمت لقاءات فكرية وسياسية أطلقت فيه الروح من جديد.
لكن لم يطل الوقت. فظهرت مجموعة من الأعضاء السابقين – مدعومين من المخابرات السورية – تطالب بالمقر بحجة الأحقية. طُلب من قيادة الشمال الاجتماع في مكتب المخابرات، بشرط غيابه شخصيًا عن الاجتماع، لأنه غير مرغوب فيه بسبب مواقفه الرافضة للوصاية والابتزاز.
رفض الإملاء، وذهب بدلاً من ذلك لتعبئة الإخوة وتنظيم الدفاع عن المقر، لكن حين عاد، وجد المقر قد أصبح تحت سيطرة المجموعة المسلحة دون علمه كيف تم ذلك. صدمة جديدة! لم تنبع فقط من خسارة مكان، بل من أسلوب الخضوع الذي تم.
دعا إلى اجتماع طارئ للأخوة في منزله لمناقشة ما جرى واتخاذ قرار بشأن الخطوة التالية... لكنه كان يعرف في قرارة نفسه: المسيرة لن تتوقف، مهما كانت الصدمات. فكل هزيمة تولد فكرة... وكل فكرة تُمهّد لمرحلة جديدة.













04/23/2026 - 07:22 AM





Comments