بين 17 أيار واتفاق اليوم: هل يتكرر التاريخ أم يتعلّم لبنان من أخطائه؟

04/23/2026 - 06:04 AM

Bt adv

 

 

الكاتب السياسي فرنسوا الجردي

في السياسة اللبنانية، لا تموت الاتفاقات... بل تبقى معلّقة بين الذاكرة والواقع، تعود كلما دخل لبنان مرحلة مفصلية جديدة. من هنا، لا يمكن قراءة أي حديث عن اتفاق مرتقب اليوم مع إسرائيل من دون العودة إلى اتفاق 17 أيار، ذلك الحدث الذي شكّل في حينه أخطر محاولة لإعادة رسم موقع لبنان الإقليمي، ثم سقط تحت وطأة التوازنات الداخلية والخارجية.

اليوم، وبعد أربعة عقود، يعود السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل لبنان أمام فرصة إنقاذ جديدة، أم أمام نسخة معدّلة من أزمة قديمة؟

أولاً: اتفاق 17 أيار... عندما سبق النصّ الواقع

وُلد اتفاق 17 أيار عام 1983 في ظل اجتياح إسرائيلي، وانقسام لبناني عميق، وحضور سوري واسع، ورعاية أميركية مباشرة. نظرياً، تضمّن انسحاباً إسرائيلياً وترتيبات أمنية وضمانات متبادلة، لكنه عملياً تجاهل حقيقة أساسية: لا اتفاق ينجح في لبنان إذا لم يحظَ بشرعية وطنية جامعة.

وقعه ممثلو الدولة، لكنه لم يُوقَّع فعلياً من الداخل اللبناني. فسرعان ما ظهر أن المؤسسات شيء، وموازين القوى الحقيقية شيء آخر. ومع تصاعد الرفض الداخلي والضغط السوري، سقط الاتفاق قبل أن يولد، وتحول إلى درس قاسٍ مفاده أن أي تسوية تُفرض من الخارج تبقى حبراً على ورق.

ثانياً: اتفاق اليوم... من منطق الحرب إلى منطق الدولة

أما الاتفاق المزمع اليوم، إن حصل، فهو يأتي في ظروف مختلفة جذرياً. لا اجتياح شاملاً، بل توترات حدودية. لا نظام إقليمي ثابت، بل شرق أوسط يعاد تشكيله. لا دولة لبنانية قوية، بل دولة منهكة تبحث عن متنفس اقتصادي وسيادي.

لكن الفارق الأهم أن اللبنانيين اليوم أكثر إدراكاً لكلفة الحروب المفتوحة. الانهيار المالي، الهجرة، تآكل المؤسسات، وفقدان الثقة بالدولة، كلها عوامل تجعل أي استقرار أولوية وطنية لا ترفاً سياسياً.

إذاً، الاتفاق الجديد – إن وُجد – لن يكون شبيهاً بـ17 أيار إذا انطلق من ثلاث ركائز:

1. حماية السيادة اللبنانية كاملةً دون أي انتقاص.

2. حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة اللبنانية وحدها.

3. ربط التهدئة بمصلحة اللبنانيين لا بمصالح المحاور الخارجية.

ثالثاً: ما الذي تغيّر؟

في الثمانينيات، كان لبنان ساحة والآخرون يتفاوضون عليه. أما اليوم، فرغم ضعفه، يملك فرصة أن يكون شريكاً في تقرير مصيره إذا أحسن التفاوض.

رابعاً: الخطر الحقيقي ليس الاتفاق... بل غياب الدولة

التجارب أثبتت أن المشكلة في لبنان ليست دائماً في النصوص، بل في الجهة التي تنفذها. فأسوأ اتفاق قد ينجح مع دولة قوية، وأفضل اتفاق قد يفشل مع دولة مفككة.

الخلاصة

بين 17 أيار واتفاق اليوم، المسافة ليست أربعين عاماً فقط، بل مسافة بين لبنانين: لبنان الحرب ولبنان الباحث عن خلاص. إذا دخل لبنان أي تفاوض جديد بعقلية الدولة، قد يحوّل لحظة الخطر إلى فرصة تاريخية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment