الخوري فادي ديب منصور
ما يحزن الله حقاً ليس ما نظنّه نحن في الظاهر، بل ما يختبئ في العمق. نحن غالبا نختصر علاقتنا مع الله بمجموعة ممارسات: قداس نحضره أو نغيب عنه، صلاة نتمّمها أو نهملها، طقوس نحافظ عليها أو نتراخى فيها. لكن الله لا ينظر أولًا إلى الشكل، بل إلى القلب. لأن المشكلة ليست في الانقطاع المؤقت، بل في برودة المحبة التي تقود إلى هذا الانقطاع.
الله لا يحزن لأننا ضعفاء، بل لأننا نرضى بضعفنا. لا يحزن لأننا نخطئ، بل لأننا نبرر الخطأ ونتمسك به كأنه حق مكتسب. هناك فرق كبير بين إنسان يسقط ويتألم ويقوم، وإنسان يسقط ويقيم لنفسه مبررات ليبقى حيث هو. الأول يعيش الرجاء، أما الثاني فيغلق باب النعمة بيده.
وما يجرح قلب الله أكثر هو هذا القساوة التي تنمو في داخلنا تجاه بعضنا البعض. حين يتحول الآخر المختلف عنا إلى خصم، إلى تهديد، إلى عدو يجب إسقاطه. ننسى أن الاختلاف ليس خطيئة، بل فرصة لنكبر في الفهم والتواضع. لكن عندما يدخل الكبرياء، يتحول الحوار إلى معركة، والكلمة إلى سلاح، والإنسان إلى هدف.
هنا تحديدًا تكمن الخطورة: في اللسان. هذا العضو الصغير القادر أن يبني أو يهدم، أن يرفع إنسانا أو يسحقه. كم من كلمة قيلت بلا تفكير، فتركت جرحا عميقا لا يُرى! كم من حكم سريع قتل حقيقة، وكم من انتقاد لاذع دمّر ثقة إنسان بنفسه وبالله وبالكنيسة. نحن أحيانا لا ندرك أن كلمة واحدة قد تغيّر مسار حياة شخص بالكامل.
والأصعب من ذلك، أننا ننشغل بالحكم على الآخرين بدل أن ننظر إلى داخلنا. نبحث عن الأخطاء في الخارج، ونهمل الفوضى في الداخل. نطالب بالحق، لكننا لا نبحث عنه بصدق، بل نبحث عما يبرر موقفنا. وهنا نفقد البوصلة: نصبح قضاة بدل أن نكون تلاميذ.
الله لا يريد منا كمالًا مصطنعا، بل قلبا حيا. قلبا يعرف أن يحب، أن يتواضع، أن يسامح، أن يصمت حين يجب الصمت، وأن يتكلم حين تكون الكلمة حياة لا موتا. يريد منا أن نكون نورا لبعضنا، لا نارا تحرق بعضنا.
في النهاية، ما يحزن الله ليس ضعف الإنسان، بل حين يرفض أن يتغير. ليس اختلافه، بل حين يحوّل الاختلاف إلى كراهية. ليس لسانه، بل حين يستخدمه ليجرح بدل أن يشفي. لأن الله، ببساطة، هو محبة… وكل ما يبتعد عن المحبة، يبتعد عنه.













04/22/2026 - 06:23 AM





Comments