شبل الزغبي
حين يُسمعك أحدهم أن نبيه بري في خلاف مع حزب الله، فاعلم أنك أمام مسرحية يتقن أبطالها فنّ الإيهام، ولا تنطلي إلا على الساذجين. فالرجل الذي أمضى عقوداً يتقلّب بين أحضان المحتلين واحداً بعد واحد، لا يختلف مع حلفائه، بل يُعيد توزيع الأدوار فحسب.
لنعد إلى السجل، لا إلى الكلام. عام ١٩٨٤، حين وقفت الدولة اللبنانية على أعتاب اتفاق ١٧ أيار مع إسرائيل، اتفاق، ربما أنقذ ما تبقّى من السيادة الوطنية، كان بري يقود انتفاضة ٦ شباط مع وليد جنبلاط وذيول اليسار المدمِّر لإسقاط ذلك الاتفاق. لم يكن دفاعاً عن لبنان، بل كان تنفيذاً لأجندات حافظ الأسد اللذي كان يمسك بخيوط هذه الدمى. أسقطوا الاتفاق، وأبقوا لبنان رهينة في أيدي من يدفعون الأجر.
من عرفات إلى الأسد إلى طهران، لم تتبدّل قناعات بري يوماً، بل تبدّل المموّل فحسب. اليوم يجلس "متخفياً" في عباءة الولي الفارسي بكل ارتياح، وما حزب الله في مدّه وجزره السياسي إلا وجه آخر لمنظومة واحدة يؤدّي فيها بري دور الواجهة النيابية للمشروع ذاته. وكلّما ضاقت الزاوية على “المقاومة” في لحظة فاصلة، كان بري هو المخرج والسلّم الخلفي.
أما الاقتصاد والقضاء فحدّث ولا حرج. ثلاثة عقود من رئاسة مجلس النواب حوّلها إلى إقطاعية خاصة، يُوزّع فيها المناصب والوظائف بمعيار الولاء لا الكفاءة، فنهش أتباعه مفاصل الدولة من الداخل، وحوّلوا مؤسساتها إلى ماكينة نهب وفساد منهجية. ما يتهاوى اليوم من اقتصاد ومصارف ولقمة عيش هو ثمرة عقود من هذه السياسة التي صاغها بري وشركاؤه بيد من حديد.
ولا يكفي ذلك، بل يُضاف إليه سلوك غير مسبوق في تعطيل الحياة البرلمانية. يُقفل مجلس النواب لأتفه الذرائع حين لا يخدمه الانعقاد، ويفتحه من ساعات الفجر حين يُمرَّر ما يصبّ في خانة مصالحه. رئيس مجلس النواب نهاراً، وزعيم عصابة يحكم حصصه ومناطق نفوذه ليلاً.
عقود من التشبّث بالسلطة لم تُنتج وطناً، بل أنتجت خراباً موثّقاً. الرجل ليس ظاهرة سياسية، بل هو وصمة عار في جبين الدولة اللبنانية، ليس زعيماً أخطأ في الحكم، بل هو مشروع تدمير ممنهج للدولة وللمؤسسات، نجح للأسف في مهمته. إنه رأس منظومة الفساد التي أكلت لبنان من الداخل، بينما يُصوَّر للبعض على أنه رجل دولة. التاريخ لا يكذب، والسجل مفتوح لكل من يريد أن يقرأ.













04/22/2026 - 05:32 AM





Comments