لبنان بين التفاوض والمقاومة… الحاجة إلى رؤية وطنية جامعة

04/21/2026 - 10:07 AM

Prestige Jewelry

 

 

د. ادريس احميد

في ظل الحديث المتصاعد عن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام معادلة معقدة تجمع بين ضرورات الواقع وضغوط الإقليم وثوابت الصراع. فلبنان الذي لم يعرف الاستقرار منذ عقود، لا يزال يواجه اعتداءات متكررة، فيما تبدو خياراته محصورة بين التفاوض من موقع ضعيف أو الاستمرار في معادلة الردع التي فرضتها المقاومة.

تاريخيًا، لم تكن التحولات الكبرى في هذا الصراع نتيجة تفاوض بقدر ما كانت ثمرة توازنات ميدانية، كما حدث في الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان 2000. ومن هنا، يبرز التساؤل حول ما تمتلكه الدولة اللبنانية اليوم من أوراق قوة، في ظل محدودية قدرات الجيش اللبناني، مقابل حضور حزب الله كقوة ردع لعبت دورًا محوريًا في موازنة الكفة مع إسرائيل.

غير أن هذا الواقع لا ينفصل عن السياق الإقليمي، حيث يرتبط جزء من توازن القوة بدور إيران. وأي تغير في هذا الدور قد ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني، سواء عبر تصعيد إسرائيلي، أو محاولات لإثارة الانقسام الداخلي، أو ضغوط دولية متزايدة لنزع سلاح المقاومة. وفي هذا الإطار، تبدو السياسة الأمريكية، خاصة في ظل توجهات دونالد ترامب، أقرب إلى دعم الرؤية الإسرائيلية، ما يضعف من إمكانية التعويل على واشنطن كوسيط متوازن.

ومع تصاعد هذه الضغوط، تزداد المخاوف من انزلاق لبنان إلى ساحة صراع مفتوح أو إلى فوضى داخلية، خصوصًا إذا ما جرى استغلال هشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي، أو إدخال أطراف إقليمية في المشهد، بما يعيد إنتاج سيناريوهات سابقة دفع اللبنانيون ثمنها باهظًا.

في المقابل، يطرح خيار المقاومة نفسه كأحد أدوات الدفاع، لكنه يبقى موضع جدل داخلي بين من يراه ضرورة لحماية البلاد، ومن يعتبره عامل توتر دائم. وبين هذين الموقفين، تتعمق الانقسامات، ويزداد خطر الانزلاق نحو صراع داخلي، وهو ما يدركه معظم الفاعلين اللبنانيين، الذين حرصوا – رغم الخلافات – على إبقاء الصراع ضمن حدوده السياسية.

من هنا، لا يبدو أن الحل يكمن في ترجيح كفة التفاوض أو المقاومة بقدر ما يكمن في إعادة بناء التوافق الداخلي. فلبنان لا يمكنه مواجهة التحديات الخارجية ببيت منقسم، كما لا يمكنه الاستفادة من أي مسار تفاوضي دون موقف وطني موحد. وهذا يفرض ضرورة الابتعاد عن الطائفية والتحريض، والعودة إلى منطق الحوار، حيث تصبح التنازلات المتبادلة شرطًا لحماية الدولة، لا علامة ضعف.

إن القوى الوطنية اللبنانية، بمختلف توجهاتها، تملك فرصة حقيقية للعب دور في تقريب المسافات، وإعادة إحياء مسار الحوار الداخلي، بما يضمن صياغة رؤية مشتركة لإدارة الصراع، سواء عبر التفاوض أو عبر الحفاظ على عناصر القوة. فالمعادلة في النهاية لا تتعلق باختيار خيار واحد، بل بامتلاك القدرة على إدارة الخيارات جميعها ضمن إطار وطني جامع.

لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى قرار سياسي، بل إلى إرادة وطنية تعيد ترتيب الأولويات، وتضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الضيقة. فبدون ذلك، ستبقى كل الخيارات مفتوحة على احتمالات غير محسوبة، في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الأزمات.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment