الكاتب الصحفى عزت سلامة
يبدو أن مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران قد دخل مرحلة من الجمود المعقّد، حيث تتشابك المصالح والملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية في مشهدٍ يعكس عمق الأزمة. والقضية ليست مجرد تعثّرٍ عابر في مسار تفاوضي، بل تعثّرٌ مقصود من أجل تصدير انتصارٍ مزعوم.
التطورات المرتبطة بمضيق هرمز أعادت تسليط الضوء على حساسية وأهمية هذا الممر الحيوي، الذي لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتدفق الطاقة العالمية، بل أداة ضغطٍ جيوسياسية تستخدمها طهران في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن حرية الملاحة خطٌّ أحمر لا يمكن التفاوض عليه، ما يضع الطرفين أمام معادلةٍ شديدة التعقيد.
المفاوضات في جوهرها لم تعد تدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني، بل تحوّلت إلى ساحة صراعٍ أوسع تشمل النفوذ الإقليمي، وترتيبات الأمن في الشرق الأوسط، وتوازنات القوة بين اللاعبين الدوليين.
فبينما تصرّ الولايات المتحدة على فرض قيودٍ صارمة على البرنامج النووي الإيراني، تطالب طهران برفعٍ كاملٍ للعقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهلها لسنوات طويلة، إضافةً إلى ضماناتٍ حقيقية بعدم تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاقات السابقة.
لكن تظلّ العقدة الأبرز في انعدام الثقة؛ فمنذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي، لم تعد إيران تثق في التعهدات الأمريكية، فيما تشكّ واشنطن في نوايا طهران وتخشى من استمرارها في تطوير قدراتها النووية تحت غطاء التفاوض.
في قلب هذا المشهد تلعب إسرائيل دورًا محوريًا، إذ تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا لها، وتضغط بشكلٍ مستمر على الولايات المتحدة لعدم تقديم تنازلات قد تتيح لطهران الاقتراب من إعلانها دولةً نووية.
كما أن اطلاع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تفاصيل بعض مسارات التفاوض يعكس عمق التنسيق بين الطرفين (أمريكا وإسرائيل)، ويزيد في الوقت ذاته من شكوك إيران بشأن حيادية التفاوض.
في المقابل، تثير سياسة «الغموض النووي» التي تنتهجها إسرائيل، وعدم خضوعها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنفس الآليات التي تخضع لها إيران، تساؤلاتٍ واسعة حول ازدواجية المعايير في التعامل مع الملف النووي في المنطقة، وهو ما تستغله طهران سياسيًا لتعزيز موقفها التفاوضي.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن التوترات المستمرة في قطاع غزة ولبنان، حيث تؤدي العمليات العسكرية المتبادلة بين أطراف النزاع إلى تعقيد أي جهودٍ دبلوماسية، وتدفع المنطقة نحو مزيدٍ من الاحتقان، بما يضعف فرص الوصول إلى حلولٍ حقيقية.
اقتصاديًا، ينعكس هذا الجمود بشكلٍ مباشر على أسواق الطاقة العالمية، حيث يؤدي أي تهديدٍ لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يضيف أعباء جديدة على الاقتصاد العالمي، ويزيد من الضغوط على الدول المستوردة للطاقة، خصوصًا في ظل أوضاعٍ اقتصاديةٍ دوليةٍ هشّة.
أمام هذا الواقع، تبدو المفاوضات عالقةً بين خيارين: إما جمودٌ طويل الأمد يُدار من خلاله الصراع دون حله، أو مفاوضاتٌ شكلية تفتقر إلى الإرادة السياسية الحقيقية لإحداث اختراق. وفي كلا الحالتين، يبقى الاستقرار الإقليمي رهينةً لتوازناتٍ هشّة قابلةٍ للانهيار في أي لحظة.
غير أن السؤال الأكثر خطورة يظل مطروحًا: ماذا لو فشلت المفاوضات الخاصة بحرب إيران؟
الإجابة: سيُفتح الباب أمام سيناريوهاتٍ مقلقة، أبرزها اقتراب إيران من إعلانٍ صريحٍ لقدراتها النووية، وهو قرارٌ سياديٌّ بالغ الحساسية قد يغيّر قواعد اللعبة في المنطقة.
مثل هذا التطور قد يدفع إسرائيل إلى تنفيذ ضرباتٍ عسكريةٍ تستهدف العمق النووي الإيراني، بدعمٍ أو تنسيقٍ أكيد مع الولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى تصعيدٍ واسع النطاق.
وفي حال اندلاع مواجهةٍ مفتوحة، من المرجّح أن تتجاوز تداعياتها حدود المواجهة المباشرة، لتشمل استهداف مصالح أمريكية في المنطقة، وتصعيدًا عبر حلفاء إيران في عدّة دول، وقد يتحوّل هذا الصراع إلى أزمةٍ إقليميةٍ شاملة ذات أبعادٍ أمنيةٍ واقتصاديةٍ وإنسانيةٍ خطيرة.
في النهاية، يبدو أن الشرق الأوسط يقف مجددًا عند مفترق طرق، ولا يزال الخيار بين الدبلوماسية والتصعيد قائمًا.
إذا كنّا نريد سلامًا حقيقيًا، يجب على أطراف التفاوض أن يسعوا إلى عودة الثقة، والابتعاد عن سياسة إدارة الأزمات بدلًا من حلّها، التي قد تدفع المنطقة نحو مرحلةٍ أكثر اضطرابًا، ويظلّ السلام الحقيقي مؤجّلًا وربما بعيد المنال.













04/19/2026 - 21:18 PM





Comments