هدنة العشرة أيام فرصة حقيقية للبنان... لكن السيادة وحدها قادرة على تحويلها إلى سلام

04/19/2026 - 20:14 PM

Prestige Jewelry

 

 

لماذا تكتسب الوساطة الأميركية أهميةً بالغة، ولماذا يتعين على المؤسسات اللبنانية تولي مسؤولية فرض المرحلة التالية؟

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

تشكّل هدنة 16 نيسان الجاري جسراً هشّاً بين التصعيد الشامل وإمكانية تحقيق سلام مستدام بين لبنان وإسرائيل. إنها ليست تسويةً نهائية؛ بل هي مجرد وقفةٍ محدودةٍ وعالية المخاطر، معلّقة بين تجدّد المواجهة وفرصة تأسيس مسار طويل الأمد. وللمرة الأولى منذ عام 1983، تُفضي وساطة أميركية عالية المستوى بين لبنان وإسرائيل إلى وقف ملموس للقتال. إن هذه الفرصة السانحة حقيقيةٌ وواقعية، غير أن فجوة الثقة التي أسقطت كل المحاولات السابقة حقيقية أيضاً. وما لم يتم إحراز تقدم فوري نحو ترسيخ سيادة لبنانية فعلية، فإن هذه النافذة ستُغلق بالسرعة ذاتها التي فُتحت بها، لتعيد بذلك المنطقة إلى نقطة الصفر، مُمهدةً الطريق لدورةٍ جديدة من الحروب بالوكالة.

لماذا يختلف هذا المسار عن عام 2024

انهار وقف إطلاق النار الذي أُقر في تشرين الثاني 2024 لأنه استند إلى وساطة غير مباشرة عبر قنوات مرتبطة بـ "حزب الله"، مما منح هذا الفصيل حقّ النقض الفعلي على كل التزامات الاتفاق. كما أُوكِلت مهمة إنفاذ الاتفاق إلى آلية تتمحور حول قوات اليونيفيل، وتفتقر إلى السلطة والقدرة على الضغط؛ فاحتفظ "حزب الله" بترسانته العسكرية، وعجز الجيش اللبناني عن تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701. وسرعان ما عاد كل شيء إلى المربّع الأول.

أمّا هدنة 2026 فتعمل على أرضية أكثر صلابة وواقعية. وتتميز بخضوعها لإشراف أميركي مباشر، وتتيح لإسرائيل الإبقاء على منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات بدلاً من الانسحاب الكامل إلى جنوب نهر الليطاني. هذا الانتقال من إدارة مسرح العمليات بالوكالة إلى مساءلة مباشرة على مستوى القيادة في واشنطن يُمثّل أول محاولة جدّية لمعالجة مسألة من يسيطر فعلياً على القوة على الأرض. فالفارق هيكلي بطبيعته: فهو يضع حق النقض غير المباشر في مواجهة التنفيذ المباشر.

أزمة السيادة في لبنان

يعود كل انهيار إلى الخلل البنيوي ذاته، وهو أن الدولة اللبنانية لا تملك حصريّة قرار الحرب والسلم. فقد حولت القدرة العسكرية المستقلة التي يمتلكها "حزب الله" اتفاق تشرين الثاني 2024 إلى وثيقة وقّعتها الدولة اللبنانية من دون أن تتمكّن من تنفيذها أبداً. وقد جاءت الرسالة التي بعث بها لبنان إلى الأمم المتحدة في الثاني من آذار الماضي لتؤكد هذه النقطة صراحةً؛ إذ أشارت إلى أن قرار "حزب الله" الأحادي بالانخراط في الصراع الإقليمي "يتعارض مع المبدأ القاضي بأن قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى الدولة اللبنانية".

هذه ليست مجرد عقبة سياسية عابرة، بل هي أزمة سيادة بامتياز. فما دام هناك طرف فاعل من خارج مؤسسات الدولة يحتفظ بجيشه الخاص وبسياسته الخارجية، يبقى كل وقف إطلاق نار مؤقّتاً بطبيعته. ولا يمكن لأي هندسة دبلوماسية — مهما كانت مُحكمة — أن تصمد إذا كانت الدولة عاجزة عن فرض التزاماتها. فالسيادة هي الركيزة المفقودة في لبنان.

التحوّل الاستراتيجي الأميركي

استغلّت واشنطن الأشهر السبعة عشر الماضية لإعادة تشكيل الظروف الخارجية التي كانت تحمي في السابق خطوط الإمداد الإيرانية؛ إذ أسهم الحصار البحري للموانئ الإيرانية في الحد بشكل ملموس من تدفق العتاد عبر سوريا. كما أدى الانخراط المباشر من جانب البيت الأبيض إلى تجاوز المسار التقليدي الذي كان يمر عبر وسطاء موالين لـ"حزب الله"، مما أزاح طبقات الإنكار التي كانت تحصّن سيطرة أذرع إيران.

ومع ذلك، فإن الفُرص لا تُنفذ نفسها تلقائياً. فالرسائل المتضاربة -من خلال مناقشة مستقبل لبنان مع المسؤولين اللبنانيين والجهات الإقليمية المؤثرة في آن واحد- قوضت تاريخياً الدولة نفسها التي تقول واشنطن إنها تريد دعمها. المسار الدائم يتطلب وضوحاً في الهدف: لا يمكن التعامل مع السيادة اللبنانية كورقة مساومة في مفاوضات إقليمية أوسع. الدور الأميركي يجب أن يبقى بنيوياً لا رمزياً.

حدود نافذة الأيام العشرة

الوقت بدأ ينفد. فبدون استقلال عملياتي فوري للجيش اللبناني، لن تكون هذه الهدنة سوى فترة إعادة تموضع لـ"حزب الله" وحلفائه. وفي غياب آليات تنفيذ ملزمة وتفويض واضح لنزع السلاح، فإن سجل الجيش الطويل في العمل فقط بموافقة الميليشيا سيحول هذه النافذة إلى متنفس لإعادة التسلح بدلاً من خفض حقيقي للتصعيد.  ويضيف الواقع الاقتصادي موعداً نهائياً ثانياً: فاستمرار الاضطراب في مضيق هرمز وسلاسل الإمداد الإقليمية سيؤدي إلى عواقب وخيمة على إعادة إعمار لبنان، واقتصاد شمال إسرائيل، والأسواق العالمية بحلول آب القادم. إن هدنة قصيرة لا تعالج أزمة السيادة ليست تقدماً، بل هي تصعيد مؤجل.

مقاربة واقعية لسيادة فعلية

لتحويل هذه الفرصة إلى مسار دبلوماسي مستدام، يجب على الولايات المتحدة ولبنان الانتقال فوراً إلى إطار عمل قائم على السيادة ومستند إلى شروط قابلة للتنفيذ. العناصر واضحة، وقد طرحتها في مقال سابق: تنفيذ «خطة درع الوطن» لإنشاء بنية أمنية شاملة للحدود على طول الخط الأزرق ؛ تمكين الجيش اللبناني من خلال استقلالية تشغيلية حقيقية وكاملة — سلطة قيادة، ولوجستيات، وقرارات انتشار محصّنة تماماً من أي فيتو ميليشياوي؛ استخدام أدوات الضغط الاقتصادي بدقّة، بما في ذلك تصنيف الهياكل المالية المرتبطة بـ"حزب الله" ككيانات إجرامية محلية، وإجراء تدقيق صارم للمؤسسات غير الشفافة التابعة لهذا الحزب وغيره ؛ ربط كل دولار من مساعدات إعادة الإعمار بمعايير نزع سلاح تدريجية وقابلة للتحقق ، تتيح مخارج للمجتمعات المحلية وتعزّز سلطة الدولة؛ ومواصلة الضغط الدولي عبر عقوبات ثانوية على شبكات الشراء الدولية التابعة لـ"حزب الله". هذه ليست طموحات. إنها الحدّ الأدنى لتحويل السيادة اللبنانية من شعار إلى واقع فعلي ملموس.

السيادة هي المخرج الوحيد

الدبلوماسية من دون قدرة على التنفيذ لن تؤدي للسلام، بل لهدنة مؤقتة. إن الفرصة الُمتاحة اليوم حقيقية، لكنها هشّة ومحدودة زمنياً. ولبنان اليوم أمام خيار استراتيجي ثنائي: إمّا أن يفرض نفسه كدولة ذات سيادة قادرة على تنفيذ التزاماتها، أو أن يبقى ساحة دائمة لحروب الآخرين. بالنسبة للشعب اللبناني وللولايات المتحدة، فإن الطريق الوحيد نحو تحقيق الاستقرار الإقليمي يمرّ عبر الاستعادة الكاملة لسلطة الدولة اللبنانية.

السيادة أو ساحة حرب دائمة؟ هذا هو الخيار الذي يتعين على بيروت حسمه خلال الأيام العشرة المقبلة. إن نافذة الفرصة هذه حقيقية، لكنها لن تبقى مفتوحة من تلقاء نفسها.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment