د. سعيد محمد ابو رحمه
إن الانطباع بوجود خلاف داخل بنية القرار في إيران، على خلفية التباين بين خطاب عباس عراقجي وتحركات الحرس الثوري الإيراني بشأن مضيق هرمز، يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز السطح نحو فهم أعمق لطبيعة النظام وآليات اشتغاله.
ففي البنية السياسية الإيرانية لا يقوم القرار على مركز واحد تقليدي، بل على توازن دقيق بين مؤسسات ذات وظائف مختلفة لكنها تعمل ضمن سقف استراتيجي واحد. هذا يخلق ظاهرة تعدد الأصوات، حيث يبدو المشهد أحيانًا وكأنه يعكس تناقضًا أو حتى صراعًا. غير أن هذا التعدد غالبًا ما يكون مُدارًا، ويُستخدم كأداة لزيادة هامش الحركة وليس كدليل ضعف بنيوي.
التباين بين الدبلوماسية والعسكرة هنا يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا عن مدرستين داخل النظام: الأولى ترى أن الانفتاح والتفاوض يقللان الكلفة ويكسران العزلة، والثانية تعتقد أن الضغط والردع هما الطريق الأنجع لحماية المصالح. لكن المهم أن هاتين المدرستين لا تعملان في فراغ، بل ضمن إطار تُحدده القيادة العليا، ما يعني أن الاختلاف—إن وُجد—يبقى مضبوطًا ولا يتحول إلى انقسام حاد.
فمضيق هرمز يمثل ورقة ضغط استراتيجية كبرى، لكن استخدام هذه الورقة بشكل كامل (أي الإغلاق الفعلي) ينطوي على مخاطر عالية، منها استدعاء رد عسكري دولي واسع، والإضرار بالمصالح الإيرانية نفسها. لذلك، تميل طهران إلى سياسة التلويح دون الانزلاق، حيث يُستخدم التهديد كأداة ردع دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
فإن التصريحات المتباينة—فتح مقابل إغلاق—قد لا تعكس ارتباكًا بقدر ما تعكس إدارة متعددة المسارات:
مسار دبلوماسي يبعث برسائل طمأنة نسبية، ومسار عسكري يرفع منسوب التهديد. هذه الازدواجية تمنح إيران قدرة على التأثير في حسابات خصومها، لأنها تجعل نواياها أقل قابلية للتنبؤ.
فلا يمكن استبعاد احتمال وجود تباينات حقيقية، خاصة في لحظات الضغط العالي أو الأزمات المركبة. في مثل هذه الحالات، قد ترتفع حدة الاختلاف بين المؤسسات، لكن التجربة تشير إلى أن النظام الإيراني يمتلك آليات لاحتواء هذه التباينات ومنع تحولها إلى صراع مفتوح.
المشهد أقرب إلى غموض استراتيجي مُدار منه إلى خلاف غير مسيطر عليه. إيران هنا لا تتحدث بصوت واحد عن قصد، بل توزع رسائلها بين التهدئة والتصعيد، بما يحقق أقصى قدر من المرونة السياسية والردع العسكري في آنٍ واحد.













04/19/2026 - 04:57 AM





Comments