شهادات نور في زمن الظلمة: الكنيسة ورسالتها التحريرية في لبنان والشرق الأوسط

04/18/2026 - 21:32 PM

A

 

شخصيّات كنسيّة مضيئة… شهادات سلام في زمن الاضطراب

تحقيق من اعداد الخوري نبيل مؤنس

 

في عالمٍ يزداد اضطرابًا، وتتشابك فيه الحروب مع الأزمات، وتضيع فيه الحقيقة بين ضجيج السلاح وصراخ الشعوب، تعود الكنيسة لتقدّم من جديد شهادتها الأصيلة: شهادة سلامٍ لا يُقهر، ومحبةٍ لا تُهزم، ورجاءٍ لا ينطفئ. فمنذ القرون الأولى، لم تكن الكنيسة مجرّد مؤسسة دينية، بل كانت  ولا تزال ضميرًا حيًا في قلب التاريخ، يذكّر الإنسان بكرامته، ويعيد إليه القدرة على النهوض من تحت الركام.

وفي الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الجغرافيا مع القداسة، وتلتقي الأرض بالسماء، برزت شخصيات كنسيّة حملت نورًا لا يُطفأ، ووقفت في وجه العنف واليأس، لتقول إن الإيمان ليس هروبًا من العالم، بل نزولٌ إلى عمق جراحه. وفي لبنان، هذا الوطن الذي يشكّل فسيفساء فريدة من الروحانية والتنوّع، تتجدّد هذه الرسالة اليوم بقوة، عبر مواقف روحية ووطنية يقودها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، والسفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا، وبرسائل أبوية يوجّهها البابا لاوون الرابع عشر إلى اللبنانيين في لحظاتهم الأكثر صعوبة.

هذه الشخصيات ليست مجرد أسماء، بل أيقونات حيّة تُجسّد ما يمكن أن يفعله الإيمان حين يتحوّل إلى فعل، وحين يصبح اللاهوت التزامًا يوميًا تجاه الإنسان، وتجاه الوطن، وتجاه الحقيقة.

الكنيسة… ذاكرة سلام في أرضٍ أنهكتها الحروب

منذ نشأتها، حملت الكنيسة في الشرق رسالة تتجاوز حدود الطقوس والليتورجيا. كانت ملجأً للفقراء، وملاذًا للضعفاء، وصوتًا للذين لا صوت لهم. وفي كل مرحلة تاريخية، كانت تظهر شخصيات روحية تُعيد إلى العالم شيئًا من وجه الله، وتذكّره بأن الإنسان ليس مشروع حرب، بل مشروع حياة.

وفي زمن تتكاثر فيه النزاعات، ولا سيّما في لبنان والشرق الأوسط، تبرز هذه الشخصيات بوصفها مصادر إلهامٍ حيّة للبحث عن حلول تنبع من الإيمان والقيم الإنسانية العميقة. فحين يعجز السياسيون عن إيجاد المخارج، وحين تتعطّل لغة الحوار، يبقى صوت الكنيسة هو الصوت الذي يذكّر بأن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل هو جوهر الوجود الإنساني.

البطريرك الراعي… لاهوت الرجاء في زمن الانهيار

في السنوات الأخيرة، ومع تفاقم الأزمات اللبنانية، برز دور البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بوصفه أحد أبرز الأصوات الروحية التي حملت همّ الوطن فوق كل اعتبار. لم يكن كلامه سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل كان لاهوتًا وطنيًا يستند إلى قناعة راسخة بأن لبنان ليس مجرد دولة، بل رسالة.

في عظاته ومواقفه، أعاد الراعي التأكيد على أن لبنان لا يمكن أن يعيش إلا من خلال حياده الإيجابي، ومن خلال احترام سيادة الدولة، وحصر السلاح بيدها، وحماية التنوّع الذي يشكّل جوهر هويته. وفي كل مرة كان يرفع صوته، كان يفعل ذلك من منطلق روحي: أن الإنسان خُلق للحرية، وأن الشعوب لا تُبنى بالخوف، وأن الدولة لا تقوم إلا على العدالة.

ولعلّ الأهم هو أن الراعي لم يكتفِ بالكلام، بل فتح أبواب بكركي أمام الجميع، من مختلف الطوائف والانتماءات، ليقول إن الكنيسة ليست طرفًا، بل جسرًا، وإن دورها ليس الاصطفاف، بل جمع المتخاصمين حول طاولة واحدة.

السفير البابوي… حضور رسولي في قلب الجرح اللبناني

منذ وصوله إلى لبنان، حمل السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا رسالة واضحة: أن الفاتيكان يقف إلى جانب لبنان ليس فقط كدولة، بل كشعب، وكقضية إنسانية وروحية. وفي زياراته المتكررة إلى المناطق المتضررة، ولا سيما في الجنوب، كان يقدّم صورة مختلفة للدبلوماسية: دبلوماسية القرب من الرعية، لا دبلوماسية المكاتب.

لقد شكّل حضوره بين الناس، في القرى الحدودية، وفي المستشفيات، وفي لقاءاته مع العائلات المنكوبة، علامة فارقة في مرحلة شديدة الحساسية. كان يذكّر بأن الكنيسة لا تكتفي بالصلاة، بل تنزل إلى الميدان، وتلمس الجراح، وتقدّم المساعدة، وترافق الإنسان في ضعفه.

وفي مواقفه العلنية، شدّد بورجيا على أن حماية لبنان ليست مسؤولية اللبنانيين وحدهم، بل مسؤولية المجتمع الدولي، لأن انهيار هذا البلد يعني انهيار نموذج فريد للتعايش في الشرق.

البابا لاوون الرابع عشر… كلمة أبويّة لشعب يتألّم

في عظاته ورسائله، لم يتوقف البابا لاوون الرابع عشر عن توجيه نداءات صريحة إلى العالم من أجل لبنان. كان يرى في هذا البلد أكثر من مجرد دولة صغيرة على خريطة الشرق الأوسط. كان يراه رسالة كونية عن إمكانية العيش المشترك، وعن قدرة الإنسان على تجاوز الانقسامات.

وفي كل مرة كان يتحدث عن لبنان، كان يفعل ذلك بنبرة الأب الذي يشعر بوجع أبنائه. دعا إلى وقف العنف، وإلى حماية المدنيين، وإلى دعم المؤسسات الشرعية، وإلى تعزيز دور الجيش اللبناني، وإلى منع تحويل لبنان إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية. ولم تكن مواقفه مجرد بيانات، بل كانت لاهوتًا إنسانيًا يذكّر بأن السلام ليس حلمًا مستحيلًا، بل مسؤولية مشتركة.

زيارة راعوية في قلب النار: البطريرك الماروني والسفير البابوي إلى جنوب لبنان الملتهب

في وقتٍ يختلط فيه دويّ القذائف بأنين الأهالي، ويقف الجنوب اللبناني على حافة جرحٍ لا يلتئم، جاءت زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي والسفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا لتكسر عزلة الخوف، ولتؤكد أن الكنيسة لا تغيب حين يشتدّ الألم، بل تنزل إلى حيث يحتاجها الناس.

لم تكن الزيارة مجرّد محطة بروتوكولية، بل فعل حضور في منطقة تعيش تحت التهديد اليومي. حضورٌ حمل رسالة واضحة: أن الإنسان، كل إنسان، يستحق من يقف معه، يسمعه، يلمس جراحه، ويذكّره بأن الكرامة لا تُقصف، وأن الرجاء لا يموت.

الكنيسة ورسالة التحرير… لاهوت يتجسّد في التاريخ

حين نتحدث عن الكنيسة في لبنان، لا نتحدث عن مؤسسة جامدة، بل عن جسد حيّ يتحرك في قلب المجتمع. رسالتها ليست فقط روحية، بل أيضًا إنسانية ووطنية. إنها رسالة تحرير، بالمعنى العميق للكلمة:

تحرير الإنسان من الخوف، من الجهل، من الفقر، من العنف، ومن كل ما يهدد كرامته.

هذا التحرير لا يتحقق بالسلاح، بل بالوعي، وبالتربية، وبالحوار، وبالعمل الاجتماعي، وبالدفاع عن حقوق الإنسان. وفي هذا السياق، تشكّل مواقف البطريرك الراعي، وجهود السفير البابوي، ورسائل البابا لاوون الرابع عشر، امتدادًا طبيعيًا لهذه الرسالة.

إنهم يذكّرون بأن الكنيسة ليست متفرّجة على الأحداث، بل فاعل أساسي في صناعة السلام، وفي حماية الإنسان، وفي الدفاع عن الحقيقة.

لبنان… أرض الرسالة التي لا تموت

رغم كل ما يمرّ به لبنان، يبقى هذا البلد قادرًا على النهوض. فالتاريخ أثبت أن الشعوب التي تمتلك جذورًا روحية عميقة لا تسقط. وفي قلب هذا التاريخ، تقف الكنيسة بكل طوائفها، لتقول إن لبنان ليس قدرًا مأساويًا، بل وعدًا.

وعدٌ بأن التنوّع يمكن أن يكون غنى، لا لعنة.

وعدٌ بأن الإيمان يمكن أن يكون قوة، لا انقسامًا.

وعدٌ بأن الإنسان يمكن أن يبني وطنًا، حتى لو كان محاطًا بالدمار.

نور لا ينطفئ

في زمن الظلمة، تحتاج الشعوب إلى نور. وفي لبنان، يأتي هذا النور من رجال ونساء حملوا الإيمان بصدق، وجعلوا من حياتهم شهادة حيّة.

من البطريرك الراعي الذي يرفع صوت الحق،

إلى السفير البابوي الذي يرافق الناس في جراحهم،

إلى البابا لاوون الرابع عشر الذي يوجّه نداءات العالم نحو لبنان، تتجسّد الكنيسة كقوة رجاء لا تُقهر.

إنها ليست مجرد مؤسسة، بل قلبٌ نابض في وسط العاصفة، يذكّر بأن الإنسان خُلق للسلام، وأن الله لا يترك شعبه، وأن لبنان مهما اشتدّت عليه الأزمات، سيبقى أرضًا للرسالة، والايمان وللحرية، وللرجاء.

 

* الأب نبيل مُوَنِّس هو كاهن ماروني لبناني، درس الفلسفة واللاهوت في جامعة الروح القدس – الكسليك. سيم كاهنًا في 16 أيلول 1984 خلال الحرب اللبنانية، في رسامة طبعتها أصوات القصف. تابع دراساته العليا في فرنسا منذ عام 1986 ونال الدكتوراه من جامعة السوربون. احتفل هناك بأول قداس بيزنطي-ماروني مشترك، في تعبير عن انفتاحه الليتورجي.

منذ انتقاله إلى أميركا عام 1992، لعب دورًا محوريًا في تأسيس وتنمية الجاليات المارونية في الغرب الأميركي، حيث: أسّس و ساهم في تأسيس رعايا في مدن سان دييغو، فينيكس، ستوكتون، دنفر، لاس فيغاس، وساكرامنتو. خدم في مجلس الكهنة الإبرشي ومكتب الحياة. وعمل مرشدًا روحيًا لمنصّات كاثوليكية مثل Catholic Answers وإذاعة Immaculate Heart Radio.

يخدم اليوم كراعٍ في كنيسة سيدة لبنان المارونية – نورمان، أوكلاهوما، ويُعرف بقربه من الناس ونشاطه الروحي. ويقود مشروع بناء مزار “سيدة الرحمة – أم المراحم”، وهو رابع مزار مريمي يساهم في إنشائه بعد مشاريع في مدن سان دييغو، ساكرامنتو وبوردو في فرنسا.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment