تحقيق الدكتةر نبيل كوكالي
المفارقة الديموغرافية العالمية
تشهد المجتمعات المتقدمة في العمر قلقًا متزايدًا من تراجع عدد السكان، لكنها تميل بشكل متزايد إلى تفضيل الأسر الصغيرة، بينما تعرب المجتمعات ذات النمو السكاني السريع عن مخاوفها من التوسع المتسارع، في الوقت الذي تواصل فيه تفضيل الأسر الكبيرة.
أصدر استطلاع نهاية العام 2025 الصادر عن الرابطة الدولية لجالوب (Gallup International Association)، وهي أطول دراسة عالمية مستمرة للرأي العام، نتائج جديدة شملت آراء السكان في 59 دولة حول النمو السكاني، و61 دولة حول العدد المثالي للأطفال. وتكشف النتائج عن عالم منقسم بوضوح: مجتمعات متقدمة في العمر تخشى تراجع السكان، لكنها تتجه نحو الأسر الصغيرة — بل وحتى الخالية من الأطفال في بعض الحالات — في حين تعرب المجتمعات سريعة النمو عن قلقها من التوسع السكاني، لكنها تستمر في تفضيل الأسر الكبيرة.
يُجرى هذا الاستطلاع سنويًا منذ عام 1977، وتنفذه الرابطة الدولية لجالوب، وهي شبكة عالمية تضم مؤسسات بحثية مستقلة ومحترفة. وقد تأسست عام 1947 على يد الدكتور جورج جالوب، رائد بحوث الرأي العام العلمية الحديثة، ولا تزال تقدم واحدة من أكثر الصور العالمية دقة وتزامنًا لاتجاهات الرأي العام.
الرأي العالمي حول النمو السكاني
في 59 دولة (N = 58,302)، تميل الآراء العالمية بشكل طفيف نحو القلق من انخفاض النمو السكاني. حيث يرى:
- 24% أن عدد السكان ينمو بسرعة كبيرة
- 39% أنه لا ينمو بالسرعة الكافية
- 29% أنه ينمو بالمعدل المناسب
ويبلغ صافي الاتجاه العالمي نحو السكان (-15)، ما يعني أن عدد من يرون أن النمو غير كافٍ يفوق عدد من يرونه مفرطًا.
تشمل الدول الأكثر قلقًا من النمو السريع:
باكستان (+69)، جنوب أفريقيا (+63)، هولندا (+62)، المملكة المتحدة (+53)، وسويسرا (+52).
أما الدول الأكثر قلقًا من تراجع السكان فتشمل:
اليونان (-91)، أوكرانيا (-87)، لاتفيا (-87)، كوريا الجنوبية (-86)، والبوسنة والهرسك- ) 79).
وتُظهر الأنماط الإقليمية أن أوروبا الشرقية (-66) وشمال شرق آسيا (-86) تعبران عن أعلى مستويات القلق من تراجع السكان، في حين تميل أفريقيا (+30) وجنوب آسيا (+34) إلى الشعور بأن النمو السكاني سريع جدًا. أما أوروبا الغربية (+6) فتعكس قلقًا معتدلًا، في حين تسجل أسترالاسيا (+52) أعلى مستويات الشعور بأن النمو السكاني مفرط.
كما أن كبار السن (55+) أكثر ميلًا للاعتقاد بأن النمو غير كافٍ، في حين تميل الاقتصادات منخفضة الدخل إلى القلق من التوسع السكاني السريع.
الرأي العالمي حول العدد المثالي للأطفال
في 61 دولة (N = 60,474)، لا يزال نموذج الأسرة المكونة من طفلين هو السائد عالميًا. حيث:
- 54% يرون أن طفلين هو العدد المثالي
- 27% يفضلون ثلاثة أطفال أو أكثر
- 9% يفضلون طفلًا واحدًا
- 4% يرون أن عدم إنجاب أطفال هو الخيار المثالي
ورغم هيمنة نموذج الطفلين، فإن هناك أقلية متزايدة — وإن كانت محدودة — بدأت تفضل نمط الحياة دون أطفال.
صعود تفضيل عدم الإنجاب
على المستوى العالمي، يرى 4% الآن أن العدد المثالي للأطفال هو عدم الإنجاب. ورغم أن هذه النسبة لا تزال محدودة، إلا أنها تصل إلى أرقام من خانتين في بعض الدول، وقد شهدت ارتفاعًا ملحوظًا مع مرور الوقت.
ففي البرازيل، تبلغ هذه النسبة 14%، تليها الولايات المتحدة بنسبة 10%، ثم بلجيكا بنسبة 9%.
وفي المقابل، تسجل دول مثل أرمينيا وجورجيا ومقدونيا 0%، بينما تسجل دول أخرى مثل مولدوفا وصربيا وكازاخستان والبوسنة والهرسك وباكستان وأوكرانيا والفلبين والسويد وسوريا نسبة 1%.
تغير تفضيل عدم الإنجاب منذ عام 1980
تشير البيانات المقارنة إلى زيادة ملحوظة في هذا الاتجاه. فقد ارتفعت النسبة في البرازيل من 3% عام 1980 إلى 14% عام 2025، وفي الولايات المتحدة من 3% إلى 10%. كما ارتفعت في النمسا من 1% إلى 5%، وفي اليابان من 0% إلى 4%، وفي سويسرا وأستراليا وألمانيا من 1–2% إلى 5%، وفي بلجيكا من 6% إلى 9%، وفي فرنسا من 3% إلى 6%.
في المقابل، ظلت السويد والفلبين مستقرتين عند 1%، وجنوب أفريقيا عند 2%، والبرتغال عند 3%، بينما انخفضت الدنمارك من 3% إلى 2%.
وتشير هذه الزيادة إلى تنامي القبول الاجتماعي لأنماط الحياة الخالية من الأطفال في بعض مناطق أوروبا والأمريكيتين.
الفجوة الاقتصادية في تفضيلات الأسرة
تُظهر النتائج وجود تدرج اقتصادي واضح. ففي الدول ذات الدخل المرتفع، يفضل نحو 60% إنجاب طفلين، مع انخفاض كبير في تفضيل الأسر الكبيرة. أما في الدول منخفضة الدخل، فلا يزال تفضيل ثلاثة أطفال أو أكثر مرتفعًا بشكل ملحوظ.
وتسجل جنوب آسيا 30% فقط ممن يفضلون طفلين، ما يعكس قبولًا أكبر للأسر الكبيرة، في حين تسجل أوروبا الغربية 63%، ما يعزز نموذج الأسرة الصغيرة.
المفارقة الديموغرافية العالمية
عند الجمع بين نتائج الأسئلة، تظهر مفارقة لافتة:
فالعديد من المجتمعات المتقدمة في العمر تخشى تراجع عدد السكان، لكنها في الوقت ذاته تتجه نحو تقليص حجم الأسرة، بل وتقبل بفكرة عدم الإنجاب.
وفي المقابل، فإن المجتمعات ذات النمو السكاني السريع غالبًا ما تفضل الأسر الكبيرة، رغم قلقها من هذا النمو. ففي باكستان مثلًا، يرى 73% أن النمو السكاني سريع جدًا، ومع ذلك يفضل 66% إنجاب ثلاثة أطفال أو أكثر.
هذا التوتر بين القلق الديموغرافي والتطلعات السكانية قد يؤثر على قضايا متعددة، مثل:
- سياسات الهجرة
- استدامة أنظمة التقاعد
- الرعاية الصحية طويلة الأمد
- فرص عمل الشباب
- أدوار الجنسين
- التوازن بين العمل والحياة
- التحضر والإسكان
حجم العينة ومنهجية العمل الميداني
شمل الاستطلاع:
- 61 دولة (N = 60,474) حول العدد المثالي للأطفال
- 59 دولة (N = 58,302) حول النمو السكاني
وفي كل دولة، تم إجراء مقابلات مع نحو 1000 مستجيب خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025.
من بين الدول:
- 57 دولة استخدمت عينات وطنية
- 4 دول اقتصرت على عينات حضرية
أما من حيث طرق جمع البيانات:
- 11 دولة استخدمت المقابلات الهاتفية (CATI)
- 37 دولة استخدمت الاستطلاعات عبر الإنترنت (CAWI)
- 13 دولة استخدمت المقابلات الوجاهية
ومن حيث أساليب المعاينة:
- دولتان استخدمتا عينات غير احتمالية
- 33 دولة استخدمت عينات الحصص (Quota)
- 26 دولة استخدمت العينات العشوائية الاحتمالية
حول الرابطة الدولية لجالوب
تُعد الرابطة الدولية لجالوب واحدة من أبرز المؤسسات العالمية المستقلة في بحوث السوق والرأي العام، حيث تضم أكثر من 65 عضوًا، وتغطي أكثر من 130 دولة. وتلتزم بأعلى المعايير المهنية والاستقلالية، مع اعتماد سياسة عضو واحد لكل دولة لضمان المصداقية والجودة.
تأسست الرابطة عام 1947 على يد جورج جالوب، رائد بحوث الرأي العام العلمية الحديثة.
إخلاء المسؤولية
الرابطة الدولية لجالوب أو أعضاؤها غير مرتبطين بشركة Gallup Inc. التي يقع مقرها في واشنطن، والتي لم تعد عضوًا في الرابطة. كما لا تتحمل الرابطة مسؤولية أي استطلاعات خارج نطاقها، ويجب الإشارة إلى نتائجها باسم Gallup International فقط.













04/18/2026 - 12:18 PM





Comments