سيلفانا سمعان
لم يكن اتفاق ١٧ أيار في لبنان مستحيلًا من حيث الصياغة القانونية، لكنه وُلد في لحظة سياسية غير متكافئة. دولة لبنانية كانت آنذاك محدودة السيادة الفعلية، مقابل نفوذ سوري مباشر كان قادرًا على التأثير في القرار أو تعطيله. لذلك، لم يكن سقوط الاتفاق نتيجة خلل تقني في نصه، بل نتيجة فجوة بنيوية بين النص والقدرة الفعلية على تطبيقه. هذا الفشل المبكر لم يبقَ حدثًا معزولًا. مع مرور الوقت، أصبح يعكس نمطًا أوسع في إدارة السلطة داخل لبنان: الاتفاقات والمؤسسات لا تنهار فقط بسبب مضمونها، بل بسبب البيئة التي تُنتجها.
بعد الانسحاب السوري عام ٢٠٠٥، لم ينتقل لبنان إلى حالة سيادة مكتملة، بل إلى إعادة تشكيل داخلية لمصادر النفوذ. غياب الوصاية المباشرة لم يُنتج مركز قرار موحد، بل فتح المجال أمام توازنات داخلية أكثر تعقيدًا، برز فيها حزب الله كفاعل أساسي يمتلك قدرة عسكرية وسياسية خارج الإطار المؤسسي التقليدي للدولة.
هذا التحول لم يكن نظريًا، بل ظهر بوضوح في حرب ٢٠٠٦. الحرب لم تنتهِ بانتصار حاسم لأي طرف، بل بإعادة تثبيت قواعد اشتباك جديدة عبر القرار ١٧٠١، الذي أنهى العمليات الواسعة لكنه لم يُلغِ منطق الردع المتبادل. منذ ذلك الوقت، أصبحت الحدود الجنوبية للبنان خاضعة لنظام إدارة صراع مستمر، وليس لحالة سلم أو حرب تقليدية.
بالتوازي، بدأت بنية الدولة اللبنانية تُظهر اختلالات أعمق. الأزمة المالية التي تفجرت في ٢٠١٩ لم تكن حدثًا مفاجئًا بقدر ما كانت نتيجة تراكم نموذج اقتصادي سياسي فقد قدرته على الاستمرار. انهيار النظام المصرفي وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية كشفا حدود العقد الاجتماعي القائم منذ نهاية الحرب الأهلية، وأظهرا أن أزمة الحكم لم تعد سياسية فقط، بل بنيوية.
ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في ٢٠٢٠ ليعكس مستوى آخر من هذا التفكك. الحدث لم يُنتج تحولًا في موازين القوى، لكنه كشف ضعف آليات الرقابة والحوكمة داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة الإدارية والأمنية. منذ ذلك الوقت، أصبح مفهوم الدولة القادرة موضع تشكيك داخلي وخارجي على حد سواء.
في ٢٠٢٣، ومع توسع الحرب في غزة، عاد لبنان إلى واجهة الاشتباك الإقليمي المباشر. المواجهات على الحدود الجنوبية أعادت ربط الساحة اللبنانية بالتوازن الأوسع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. هذا التطور لم يغيّر قواعد الاشتباك التي تأسست بعد ٢٠٠٦، لكنه رفع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وقلّص هامش الفصل بين الجبهات الإقليمية.
عند جمع هذه المحطات، يظهر أن لبنان لم ينتقل منذ نهاية الوجود السوري إلى نموذج دولة مستقرة ذات سيادة مكتملة، بل إلى نظام سياسي يعمل ضمن تداخل دائم بين الداخل والإقليم. في هذا السياق، لا يمكن فهم الفاعلين المحليين بمعزل عن امتداداتهم الإقليمية، كما لا يمكن اختزال الدولة اللبنانية في كونها مجرد أداة تنفيذية أو كيان ضعيف فقط.
حزب الله، في هذا الإطار، لا يعمل كقوة خارج الدولة ولا كجزء تقليدي منها، بل كفاعل مدمج في بنية مزدوجة: داخلية من حيث التموضع السياسي والاجتماعي، وإقليمية من حيث الارتباط الاستراتيجي. هذا الوضع يعكس طبيعة النظام أكثر مما يفسر استثناءً داخله.
بالتالي، تصبح فكرة التسوية اللبنانية الإسرائيلية الشاملة محدودة الجدوى من دون معالجة الإطار الإقليمي الأوسع. أي تفاهم مستدام يبقى مرتبطًا بالتوازن غير المستقر بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، ما يجعل لبنان ساحة انعكاس أكثر منه ساحة حسم مستقل.
في هذا السياق، يمكن تمييز ثلاثة مسارات محتملة. الأول هو استمرار إدارة التوازن القائم، حيث تبقى قواعد الاشتباك مضبوطة دون انتقال إلى حرب شاملة أو سلام دائم. الثاني هو تفاهمات جزئية تُخفف التوترات دون تغيير البنية الأساسية للصراع. الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنه الأكثر تأثيرًا، يتمثل في تحول إقليمي واسع يعيد تعريف موازين القوة في المنطقة ويعيد بالتالي صياغة موقع لبنان نفسه.
حتى ذلك الحين، يبقى لبنان نظامًا سياسيًا يعمل داخل توازن غير مكتمل، تتغير أدواته وأشكاله، بينما تبقى قواعده الأساسية مستقرة. منذ ١٧ أيار وحتى ٢٠٢٦، يظل السؤال نفسه قائمًا: كيف يمكن إنتاج استقرار داخل نظام لم يُحسم ميزانه الإقليمي بعد، ولم يُغلق بعد صراعه الأساسي؟













04/18/2026 - 11:51 AM





Comments